عبد الرحمان بن عبد الله بن عمران بن عامر السعدي

تاريخ السودان

  1. ذكر ملوك سغي
  2. ذكر أول سن وهو علي كلن
  3. استيلاء كنكن موسى على مملكة سغي
  4. ذكر مملكة ملي
  5. ذكر جني ونبذة من أخبارها
  6. ذكر العلماء والصالحين والقضاة الذين سكنوا مدينة جني
  7. ذكر تنبكت ونشأتها
  8. تعريف التوارق
  9. ذكر معض العلماء والصالحين الذين سكنوا مدينة تنبكت
  10. نبذة من كتاب الذيل لأحمد بابا
  11. ذكر آية المسجد الجامع ومسجد سنكري على الترتيب
  12. ذكر الظالم الأبر سن علي
  13. ذكر أمي المؤمنين أسكيا الحاج محمد بن أبي بكر
  14. ذكر أسكيا موسى وأسكيا محمد بنكن
  15. ذكر أسكيا إسماعيل ابن أسكيا الحاج محمد
  16. ذكر أسكيا إسحاق ابن أسكيا الحاج محمد
  17. ذكر أسكيا داوود وغزواته
  18. ذكر أسكيا الحاج ابن أسكيا داوود
  19. ذكر أسكيا محمد بان ابن أسكيا داوود
  20. ذكر أسكيا إسحاق ابن أسكيا داوود
  21. ذكر مجيء الباشا جودر إلى بلاد السودان
  22. ذكر أسر الأسكيا محمد كاغ
  23. ذكر حروب الباشا محمود بن زرقون
  24. ذكر الباشا محمد طابع
  25. ذكر الباشا عمار
  26. ذكر البلاد ماسنة
  27. ذكر الباشا سليمان والباشا محمود لنك
  28. ذكر آفات ومحن في مدينة مراكش
  29. نبذة في تاريم الملوك السعدية
  30. ذكر الوفيات والتواريخ لبعض الأجناد والفقهاء والأعيان والإخوان واللأقارب وذكر بعض الحوادث فيها على الترتيب
  31. ذكر الباشاوات من سنة 1021 إلى سنة 1039
  32. سياحة مؤلف الكتاب في بلاد ماسنة
  33. ذكر الباشاوات من عام 1039 إلى عام 1042
  34. ذكر الوفيات والتواريخ من العام الحادي والعشرين بعد الألف إلى العام الثاني والأربعين بعد الألف
  35. ذكر الباشاوات من عام 1042 إلى عام 1063
  36. ذكر الوفيات والتواريخ من عام فاثاني والأربعين والألف إلى آخر العام الثالث والستين والألف
  37. ذكر من تولى أمور البلاد من السودانيين من مجيء الباشا جودر إلى عام 1063
  38. تاريخ السودان من عام 1063 إلى عام 1065

    بسم الله الرحمان الرحيم
    وصلى الله على سيدنا محمد نبيه وآله وصحبه وسلم

    الحمد لله المنفرد بالملك والبقاء والقدرة والثناء المحيط بعلمه بجميع الأشياء يعلم ما كان وما يكون وإن لو كان كيف يكون، لا يعزب عنه مثقال ذرة في الأرض ولا في السماء، يؤتي الملك من يشاء وينزع الملك ممن يشاء، سبحانه من ملك قادر وعزيز قاهر الذي قهر عباده بالموت والفناء وهو الأول بلا ابتداء والآخر بلا انتهاء. والصلاة والسلام على سيد الأولين والآخرين سيدنا ومولانا محمد خاتم الرسل والأنبياء وعلى آله وأصحابه الطيبين الطاهرين من أهل الصفوة والاعتناء، صلى الله عليه وعليهم أجمعين وسلم صلاة وسلاماً بلا انقطاع ولا انقضاء.

    وبعد، فقد أدركنا أسلافنا المتقدمين أكثر ما يتوانسون به في مجالسهم ذكر الصحابة والصالحين رضي الله عنهم ورحمهم. ثم ذكر أشياخ بلادهم وملوكهم وسيرهم وقصصهم وأنبائهم وأيامهم ووفياتهم، وهو أحلى ما يرون وأشهى ما يتذاكرون حتى انقرض ذلك الجيل ومضى رحمة الله تعالى عليهم. وأما الجيل الثاني ما كان فيهم من له الاعتناء بذلك ولا من يقتدي بطريق السلف الماضين ولا من له همة عالية في وجوه البر، كلهم وإن كان فاهله ينعد ويحصر ولم يبق إلا من له همة سفسافية من التباغض والتحاسد والندابر والاشتغال بما لا يعني من القيل والقال والخوض في عيوب الناس والافتراء عليهم، وذلك من أسباب خاتمة السوء. والعياذ بالله.

    ولما رأيت انقراض ذلك العلم ودروسه وذهاب ديناره وفلوسه وأنه كبير الفوائد كثير الفرائد لما فيه من معرفة المرء بأخبار وطنه وأسلافه وطبقاتهم وتواريخهم ووفياتهم فاستعنت بالله سبحانه في كتب ما رويت من ذكر ملوك السودان أهل سغي وقصصهم وأخبارهم وسيرهم وغزواتهم وذكر تنبكت ونشاتهم ومن ملكها من الملوك وذكر بعض العلماء والصالحين الذين توطنوا فيها وغير ذلك إلى آخر الدولة الأحمدية الهاشمية العباسية سلطان مدينة حمراء مركش. فأقول وبالله تعالى أستعين وهو حسبي ونعم الوكيل.

    الباب الأول

    ذكر ملوك سغي

    أول من تملك فيها من الملوك زا الأيمن، ثم زا زكي، ثم زا تكي، ثم زا أكي، ثم زا كو، ثم زا علي في، ثم زا بي كمي، هم زا بي، ثم زا كري، ثم زا يم كروي، ثم زا يم، ثم يم دنك كيبع، ثم زا كوكُرَى، ثم زا كِنكِن. هؤلاء أربعة عشر ملوكاً ماتوا جميعاً في جاهلية وما آمن أحد منهم بالله ورسوله صلى الله عليه وسلم.

    والذي أسلم منهم زا كُسُي يقال له في كلامهم مسلم دَم معناه أسلم طوعاً بلا إكراه رحمه الله تعالى، وذلك في سنة أربعمائة من هجرة النبي صلى الله عليه وسلم. ثم زا كُسُي داربي، ثم زا هن كُزونك دم، ثم زا بي كي كيم، ثم زا نِتناسني، ثم زا بي كَين كنب، ثم زا كين شَنيُنبُ، ثم زا تب، ثم زا يم داد، هم زا فدزو، ثم زا علي كر، ثم زا بير فلك رحمه الله تعالى، ثم زا ياسبي، ثم زا دورُ، ثم زا زنك بار، ثم زا بس بار، ثم زا بدا.

    ثم سنّ الأول علي كلن وهو الذي قطع حبل الملك على رقاب أهل سغي من أهل ملّي وأعانه الله تعالى على ذلك. ثم السلطان بعده وليه أخوه سلمن نار وهما أبناء زا ياسبي، ثم سُنّ إبراهيم كبي، ثم سن عثمان كَنَفَ، ثم سن باركين أنكبي، ثم سن موسى، ثم سن بكر زنك، ثم سن بكر دل بُيُنب، ثم سن ماركري، ثم سن محمد داع، ثم سن محمد كوكيا، ثم سن محمد فار، ثم سن كربيف، ثم سن مار في كل جُم، ثم سن مارُاركَنَ، ثم سن مارارندن، ثم سن سليمن دام، ثم سن علي، ثم سن بار اسمه بكر داع، ثم بعده أسكيا الحاج محمد.

    أما الملك الأول زا الأيمن أصل اللفظ جاء من اليمن قيل أنه خرج من اليمن هو وأخوه سائرين في أرض الله تعالى حتى انتهى بهما القدر إلى بلد كوكيا، وهو قديم جداً في ساحل البحر في أرض سغي كان في زمن فرعون حتى قيل حشر منه السحرة في مناظرته مع الكليم عليه السلام.

    وقد بلغاه في بئس الحال حتى كادت صفة البشرية أن تزول عنهما من التقشب والتوسخ والتعري إلا خرق الجلود على أجسادهما. فنزلا عند أهل ذلك البلد فسألوهما عن مخرجهما، فقال الكبير جاء من اليمن. وبقوا لا يقولون إلا زا الأيمن فغيروا اللفظ لتعسر النطق به على لسانهم لأجل ثقله من العجمة. فسكن معهم ووجدهم مشركين لا يعبدون إلا وثناً، فيتمثل لهم الشيطان في صورة الحوت يظهر لهم فوق الماء في البحر والحلقة في أنفه في أوقات معلومة، فيجتمعون إليه ويعبدونه فيأمرهم وينهاهم فيتفرقون عن ذلك ويتمثلون بما أمر ويجتنبون ما نهى.

    وهو يحضر ذلك معهم. فلما علم أنهم على ضلال مبين اضمر في قلبه قتله وعزم عليه فأعانه الله في ذلك فرماه بالحديد في يوم الحضور وقتله. فبايعوه وجعلوه ملكاً. قيل أنه مسلم لأجل هذا الفعل. والارتداد طرا في عقبه بعده ولا نعلم من ابتدأ به منهم ولا تاريخاً لخروجه من اليمن ولا لوصوله إليهم ولا ما هو اسمه، وبقي اللفظ علماً له وصدره لقباً لكل من تولى بعده من الملوك.

    فتناسلوا وتكاثروا حتى لا يعلم عدتهم إلا الله سبحانه. وكانوا ذوي قوة ونجدة وشجاعة وعظم جثة وطول قامة بحيث لا يخفى ذلك على من كان عنده معرفة بأخبارهم وأحوالهم.

    الباب الثاني

    ذكر أول سن وهو علي كلن

    وأما سن الأول علي كلن فكان من قصته أنه سكن في الخدمة عند سلطان ملي هو وأخوه سلمن نار ابنا زا ياسبي. أصل الاسم سليمن، فتغير من أجل عجمة لسانهم.

    وأمّاهما شقيقتان. أما والدة علي كلن فاسمها أمّا، واسم والدة سلمن نار فتِ وهي الأولى عند أبيهما فأخذت كثيراً ولم تلد حتى أيست من الولادة، فقالت لزوجها تزوج أختي أمّا، لعلك تجد منها عقباً حيث لم تجده مني. فتزوجها وهم من الجاهلين لأنهما لا تشتركان في العصمة. فحملا بقدرة الله تعالى في ليلة، واحدة وولدتا كذلك في ليلة واحدة ولدين ذكرين. فطرحا على تراب في بيت مظلم دون غسل إلا في الغد، وهي عادة عندهم في المولود بليل. فابتدأن بغسل على كلن ولذلك جعل كبيراً ثم غسل سلمن نار فكان الأصغر بذلك.

    فلما بلغا مبلغ الاستخدام أخذهما سلطان ملي لأنهم في طاعته حينئذ للخدمة على عادتهم لأولاد الملوك الذين في طاعتهم، وتلك العادة جارية عند سلاطين السودان كلهم إلى الآن. فمنهم من يرجع بعد الخدمة إلى بلادهم ومنهم من يبقى فيها إلى أن يموت.

    وكانا هنالك، فعلي كلن يغيب في بعض الأحيان لطلب المنفعة على سبيل العادة، ثم يرجع وهو لبيب عاقل فطن كيس جداً. وبقي يزيد في الغيبة حتى قارب سغي وعرف طرقاتها كلها فأضمر الخلاف والهروب إلى بلده، فاحتال واستعد لذلك بما ينبغي من الأسلحة والأزودة وكمنهم في مواضع معروفات في طريقه.

    ثم فطن أخاه وأطلعه على سره، فعلفا حصانهماً عافاً مليحاً صحيحاً جيداً حتى لا يخشيان عليهما عجزاً ولا عياء فخرجا وتوجها لسغى. فلما فطن لهما سلطان ملي جعل في إثرهما رجالاً ليقتلوهما. وكلما دنوا منهما تقاتلوا فيكسرانهم وتكرر القتال بينهم فما نالوا منهما نيلاً حتى وصلا بلدهما.

    فكان علي كلن سلطاناً على أهل سغي وتسمى بسن وقطع حبل الملك عن أهله من سلطان ملي. وبعد ما مات تولى أخوه سلمن نار ولم يجاوز ملكهم سغي وأحوازها فقط إلا الظالم الأكبر الخارجي سن علي. فزاد علي جميع من مضى قبلهم في القوة وكثرة الجند، فعمل الغزوات وطوّع البلادات وبلغ ذكره شرقاَ وغرباَ. وسيأتي الكلام عليه إن شاء الله تعالى. وهو آخر ملكهم إلا ابنه أبو بكر داع تولى بعد موته، فعن قليل نزع الملك منه أسكيا الحاج محمد.

    الباب الثالث

    استيلاء كنكن موسى على مملكة سغي

    تنبيه: سلطان كنكن موسى هو أول من ملك سغي من سلاطين ملي، وهو صالح عادل لم يكن فهم مثله في الصلاح والعدل، قد حج بيت الله الحرام وكان مشيه والله أعلم في أوائل القرن الثامن في قوة عظيمة وجماعة كثيرة، والحندي منهم ستون ألفاً رجالاً، ويسعي بين يديه إذا ركب خمسمائة عبيد، وبيد كل واحد منهم عصى من ذهب، في كل منها خمسمائة مثقال ذهب.

    ومشى بطريق ولات في العوالي وعلى موضع توات. فتخلف هنالك كثير من أصحابه لوجع رجل أصابه في ذلك المشي تسمى توات في كلامهم. فانقطعوا بها وتوطنوا فيها، فسمى الموضع باسم تلك العلة.

    فورخ أهل المشرق مجيئه ذلك وتعجبوا من قوته في ملكه، ولكن ما وصفوه بالجود والكرم لأنه ما تصدق في الحرامين مع كثرة ملكه إلا بعشرين ألفاً ذهباً بنسبة ما تصدق به أسكيا الحاج محمد فيهما، وهو مائة ألفاً ذهباً.

    ودخل أهل سغي في طاعته بعد جوازه إلى الحج. وبطريقها رجع فابتنى مسجداً ومحراباً خارج مدينة كاغ صلى فيها الجمعة، وهي هنالك إلى الآن. وذلك عادته رحمه الله في كل موضع أخذته الجمعة فيها.

    وطرق تنبكت فملكها وهو أول ملوك ملكها وجعل خليفته فيها وابتنى بها دار السلطنة فسميت مع دك معناه في كلامهم دار السلطان، والموضع معروفة الآن. وصارت مجزرة للجزارين.

    قال أبو عبد الله محمد بن بطوطة في رحلته رحمه الله تعالى كان السلطان منسى موسى يعني مل كُي كنكن موسى لما حج نزل بروض لسراج الدين بن الكويك أحد كبار التجار من أهل الاسكندرية ببركة الحبش خارج مصر. وبها نزل السلطان واحتاج إلى مال فتسلقه من سراج الدين هذا وتسلف منه امراؤه أيضاً. وبعث معهم سراج الدين وكيله يقتضي المال فأقام بملي فتوجه سراج الدين بنفسه لاقتضاء ماله ومعه ابن له. فلما وصل تنبكت أضافه أبو إسحاق الساحلي. فكان من القدر موته تلك الليلة. فتكلم الناس في ذلك واتهموا أنه سُم. فقال لهم ولده إني أكلت معه ذلك الطعام بعينه فلو كان فيه سم لقتلنا جميعاً، لاكنه انقضى أجله. ووصل الولد إلى ملي واقتضى ماله وانصرف إلى ديار مصر.

    قال فيه وبهذه البلدة قبر أبي إسحاق هذا وهو الشاهر [الشاعر] المعاني الغرناطي المعروف ببلده بالطويجن. وبها أيضاً قبر سراج الدين المذكور. انتهى كلامه.

    وفي رابع وخمسين بعد سبعمائة سنة والله أعلم قدم الشيخ أبو عبد الله صاحب الرحلة تنبكت.

    وقيل أن السلطان كنكن موسى هو الذي بنى صومعة الجامع الكبير التي بها. ثم غزا إليها في أيام دولتهم سلطان موش في جيش عظيم فخاف منهم أهل ملي وهربوا وتركوا البلد لهم، فدخل فيهم وأفسدها وحرقها وخربها وقتل من قتل وأكل ما فيها من الأموال وولى إلى أرضه. ثم رجع إليها أهل ملي وملكوها مائة عام.

    قال العلامة الفقيه أحمد بابا رحمه الله تعالى خربت تنبكت ثلاث مرات: الأولى على يد سلطان موش والثانية على يد سُنِ علي والثالثة على يد الباشا محمود بن زرعون. قال وهي أضعف الأوليين وقيل سفك الدماء في خراب سُن علي أكثر منها في خراب صاحب موش.

    وفي آخر دولة أهل ملي بتنبكت أخذ توارق مغشرن يغيرون عليهم ويفسدون في الأرض من كل جهة ومكان. وسلطانهم أكِلّ أكملوَل. فتشوشوا من كثرة ضررهم، وأذايتهم ولا يقفون لهم للمقاتلة. قالوا البلد الذي لا يدفع عنهى سلطانها لا يجوز له ملكها فسلّموا فيها ورجعوا إلى ملي. فملكها أكلّ المذكور أربعين عاماً تتمّة.

    الباب الرابع

    ذكر مملكة ملي

    أما ملي فإقليم كبير واسع جداً في المغرب الأقصى إلى جهة البحر المحيط. وقَيَمَغَ هو الذي بدأ السلطنة في تلك الجهة، ودار إمارته غانة، وهي مدينة عظيمة في أرض باغن. قيل أن سلطنتهم كانت قبل البعثة فتملك حينئذ اثنان وعشرون ملكاً، وبعد البعثة اثنان وعشرون ملكاً. وعدد ملوكهم أربعة وأربعون ملكاً، وهم بيضان في الأصل ولكن ما نعلم من ينتمي إليه في الأصل. وخدامهم عكريون.

    فلما انقرضت دولتهم خلفها في السلطنة أهل ملي وهم سودان في الأصل فوسعت سلطنتهم كثيراً جداً فملكوا إلى حد أرض جني وفيها كَلَ وبندك وسِبرِدك في كل من الثلاثة اثنا عشرة سلطاناَ. أما سلاطين كَلَ فمنهم ثمانية كلهم في جزيرته، أولهم في حد أرض جني متجاور بها وهو ورُن كي، ثم ونزُ كي، ثم كمِي كُي، ثم فدكُ كي بالدال الساكنة ويقال بالراء أيضاً، ثم كِركُ كي، ثم كَو كي، ثم فرما كي ثم زُنَ كي، هؤلاء ثمانية.

    وأما الأربعة فهم على وراء البحر من جهة الشمال، أولهم كوكِرِ كي وهو في حد أرض زاغ من جهة المغرب، ثم يار كي، ثم سَنَ كي، ثم سام كي ويقال له سنبَنبَ وفال فرن هو رئيسهم، وهو الذي يتقدمهم عند سلطان ملي إذا اجتمعوا ويشاوره عنهم.

    وأما سلاطين بندُكُ فكلهم في وراء البحر من جهة اليمين، أولهم في حد أرض جني أيضاً متجاور بها وهو كَو كي، ثم كعن كي، ثم سَمَ كي، ثم تَرَ كي، ثم داع كي، ثم أمَ كي، ثم تعب كي ونسيت الخمسة.

    وأما سلاطين سبدك فهم وراء هؤلاء متجاورون إلى جهة ملي.

    وملك سغي وتنبكت وزاغ وميمة وباغن وما أحوازها إلى البحر المالح فكان أهلها في قوة عظيمة وبطشة كبيرة التي جاوزت الحد والغاية. وله قائدان أحد منهما صاحب اليمين يسمى سنفر زومع، والآخر صاحب الشمال يسمى فرن سُرا. وتحت يد كل واحد منهما كذا وكذا من القياد والجيش حتى أورث ذلك الطغيان والتجبر والتعدية في أواخر دولتهم فأهلكهم الله تعالى بعذاب من عنده، فظهر لهم في يوم واحد ضحوة في دار سلطنتهم جند الله تعالى في صور الأطفال الآدميين، فأعملوا فيهم السيوف حتى كادوا أن يفنوهم. ثم غابوا في ساعة واحدة بقدرة العزيز المقتدر ولا يدري أحد من أين جاؤا ولا أين ذهبوا.

    فمن يومئذ دخل فيهم الضعف والوهن إلى دولة أمير المؤمنين أسكيا الحاج محمد. فواصلهم هو وأولاده بعده بالغزو التي لم يبق فيهم من يرفّع رأسه. وتفرقوا ثلاثة فرق كل واحد في طرف الأرض بطائقته يزعم أنه سلطان وخالف عليهم القائدان فاستقل كل واحد منهما بنفسه في أرضه.

    وفي قوتهم في أيام دولتهم الغلبة راموا أن يدخل أهل جنى في طاعتهم فلم يقبلوا ذلك لهم. فصار أهل ملي يغزوهم بغزوات كثيرات ومعارك هائلاة شديدات معدودات إلى تسعة وتسعين مرة. وكل ذلك يغلبهم أهل جني. وذكر في الأخبار أنه ولا بد تكمّل مائة بينهما في آخر الدهر وأن أهل جني هم الغالبون أيضاً يومئذ.

    الباب الخامس

    ذكر جني ونبذة من أخبارها

    وهي مدينة عظيمة ميمونة مباركة ذات سعة وبركة ورحمة، جعل الله ذلك في أرضها خلقاً وجبلة وطبيعة، أهلها التراحم والتعاطف والمواساة. ولكن المنافسة على الدنيا كانت من أخلاقهم جداً، حيث إذا زادت لأحد جاه بينهم أجمعوا على بغضه من غير أن يظهروه له ولا يتبين إلا إذا وقع من صروف الزمان، والعياذ بالله. فساعتئذ يبدي كل واحد ما عنده من قول البغض وفعله.

    وهي سوق عظيم من أسواق المسلمين. وفيها يلتقي أرباب الملح من معدن تغاز وأرباب الذهب من معدن بيطُ، وكلا المعدنين المباركين ما كانت مثلهما في الدنيا كلها. فوجد الناس بركتها في التجارة إليها كثيراً وجمعوا فيها من الأموال مالا يحصيه إلا الله سبحانه.

    ومن أجل هذه المدينة المباركة تأتي الرفاق من جميع الأفاق إلى تنبكت شرقها وغربها يمينها وشمالها وهي لتنبكت في وراء البحرين بين المغرب واليمين في جزيرة البحر متى فارض، ومتى رجع تباعد عنها الماء. والوقت الذي تحيط بها من أغشت والذي تباعد عنها من فبراير.

    أصل بنائها موضع يقال له زبر. ثم ارتحلوا منها إلى المكان الذي هي له اليوم. والموضع الأول بقربها من جهة اليمين. وهي محيطة بالسور، ولها إحدى عشر باباً. ثم سدوا الثلاثة فبقي على ثمانية أبواب. وإذا كنت بعيداً عنها من خارج لا تحسبها إلا غابة من كثرة الأشجار فيها. وإذا دخلت فيها كأنها ما فيها شجرة واحدة.

    ابتدأت في الكفر في أواسط القرن الثاني من الهجرة النبوية على صاحبها أفضل الصلاة والسلام. ثم أسلموا عند تمام القرن السادس، والسلطان كنبر هو الذي أسلم وأسلم أهلها بإسلامه. ولما عزم على الدخول في الإسلام أمر بحشر جميع العلماء الذين كانوا في أرض المدينة فحصل منهم أربعة آلاف ومائتان عالماً، فأسلم على أيديهم، وأمرهم أن يدعوا الله تعالى بثلاث دعوات لمدينة تلك. وهي أن كل من هرب إليها من وطنه ضيقاً وعسراً أن يبدلها الله له سعة ويسراً حتى ينسى وطنه ذلك، وأن يعمرها بغير أهلها أكثر من أهلها، وأن يسلب الصبر من الواردين إليها للتجارة في ذات أيديهم لكي يملوا منها فيبيعونها لأهلها بناقص الثمن فيربحون بها. فقرءوا الفاتحة على هذه الدعوات الثلاث. فكانت بقبولة وهي كائنة إلى الآن بالمشاهدة والمعاينة.

    ولما أسلم خرب دار السلطنة وحوّلها مسجداً لله تعالى وهو الجامع وأنشأ الأخرى لسكناهم وهي في مجاورة الجامع في جهة المشرق. وأرضها منعمة عامرة معمرة بالأسواق في أيام الأسبوع كلها. وقيل أن في ذلك الأرض سبعة آلاف قرية وسبعة وسبعين قرية متقاربة بعضها إلى بعض. وكفاك في المقارنة أن السلطان إذا احتاج إلى حضور من كان بقرب بحر دب في قريته خرج الرسول إلى باب السور فنادى الذي يريد حضوره، فيمشي الناس النداء له من قرية إلى قرية، فتبلغه في الساعة ويحضر. كفى بهذا عمارة.

    وحد أرضها عرضاً من كِيَكي قرية في قرب بحر دب من جهة اليمين إلى يَو بلد في مجاورة أرض وُرُنَّ كي، وطولاً من تيني بلد في حد أرض سلطان كابر إلى وراء جبال تنبلا قبيلة من قبائل المجوسيين كثيراً جداً.

    وللسلطان اثنا عشر أمراء الأجناد في جهة المغرب في أرض سنا لا يرصدون إلا غزو ملي كي. ويقاتلون جنده متى جاءوا بلا استئذان السلطان. منهم يَوس وسُناسُرُ وماتِغ وكرمو وغيرهم، وسَن فرن هو بئيسهم. وكذلك له اثنا عشر أمراء الأجناد أيضاً في جهة المشرق وراء البحر من ناحية تِنِلي. ولما توفي السلطان كُنبُرُ، رحمه الله تعالى الذي في السلطنة هو الذي جعل الأبراج على الجامع والذي خلف هذا، هو الذي بنى السور الذي يدور بالجامع. وأما سلطان آدم فهو من أفضل سلاطينهم.

    ومن حين كانت المدينة ما غلب أحد أهلها من الملوك إلا شي علي وهو الذي طوّعهم وملكهم بعد ما حاصرهم في تلك المدينة سبع سنين وسبعة أشهر وسبعة أيام على ما قال أهلها. ومحلته في زُبر يقاتلونهم كل يوم حتى يدور بهم البحر، فيرتحل بجيشه إلى موضع يقال له تِبكة شي، سميت بذلك لأجل مكثه. فيها فيمكثون هنلك ويحرثون إلى أن ييبس الماء، فيرجعون إلى زبر للمقاتلة. وهم كذلك إلى العدد المذكور من الأعوام.

    فحدثني به السلطان عبد الله بن السلطان أبي بكر حتى وقعت المجاعة في أهلها ونقصت قوتهم. ومع ذلك يكابرون بحيث لم يعلم شن علي في أحوالهم شيئاً. فعمل وعزم الرجوع إلى سغي. فبعث له واحد من كبراء جيش سلطان جني، قيل هو جد أنس مان سري محمد، فأخبره بأسرارهم ومنعه عن الرجوع حتى يرا ما يؤول إليه أمرهم. فتصبر وزاد في الحرص.

    ثم شاور السلطان قياده وكبراء جيشه في التسليم لسي علي فوافقوه على ذلك فبعث المرسول إليه بذلك، فأنعم وقبل. ثم خرج إليه مع كبراء جيشه فلما قرب إليه نزل ومشى إليه برجله فلقيه بالترحيب والإكرام. فلما رآه شاباً حديث السن قبضه وأجلسه إلى جنبه فوق بساطه فقال: المقاتلة مع الولد في هذا الزمن كله. فأخبره خدامه أن والده مات في اثناء الفتنة فخلفه في السلطنة. هذا هو السبب في مجالسة سلطان سغى مع سلطان جني على بساط واحد إلى الآن.

    فخطب منه أمه وتزوجه. قال لي السلطان عبد الله هذا الزواج هو الذي زاد السبعة الأيام على العدد المذكور فبعث مس علي حصان سرجه لركوب زوجته إليه في المحلة. فلما وصلته رد الحصان لسلطان جني عطية مع جميع آلائه، وهن عند أهل جني إلى الآن. فارتحل راجعاً إلى سغي مع زوجته.

    وحدثني بعض الإخوان أنه سمع ولي الله تعالى الفقيه محمد عريان الرأس رحمه الله تعالى ونفعنا ببركاته يقول حاصر سن علي مدينة جني أربع سنين، فما نال من أهلها نيلاً. وما ذلك إلا أن الخلفاء الأربعة أبا بكر وعمر وعثمان وعلياً رضي الله عنهم أجمعين يحرسوه تلك المدينة، كل واحد منهم على ركن واحد من أركانها الأربع، إلى ليلة واحدة ظلم واحد من كبراء الجيش مسكيناً ظلماً فاحشاً فسلّموا في المدينة. وفي غدها فتحها سن علي وملكها وفعل بها ما شاء. وقال الشيخ المذكور أن أرباب القلوب الذين ينظرون بنور الله كائنون في هذا الإقليم يومئذ.

    وحدثني بعض الإخوان أن ذلك الظلم الذي ارتكبها ذلك الجيشي هو أن واحداً ضعيفاّ مسكيناّ غصب منه زوجته واصطفاها لنفسه وغلب عليها بالفحشاء، والعياذ بالله. فلذلك عاقب الله الجميع وسلب منهم ملكهم. ورأيت في خط بعض المعتبرين من الطلبة أن سن علي أقام بجني عاماً واحداً وشهراً واحداً ولم يبين أنه من هذه المرة أو من مرة أخرى.

    الباب السادس

    ذكر العلماء والصالحين والقضاة الذين سكنوا مدينة جني

    وقد ساق الله تعالى لهذه المدينة المباركة سكاناً من العلماء والصالحين من غير أهله من قبائل شتى وبلاد شتى.

    منهم مورمغ كنكي أصله تاي قرية بين بيغ وكوكر. فرحل إلى كابر لأخذ العلم، ثم رحل إلى جني في أواسط القرن التاسع، والله أعلم. كان فقيهاً عالماً صالحاً عابداً جليل القدر. وأسرع إليه الطلبة لاقتباس فوائده. وفي نصف ليل يخرج من داره إلى الجامع لنشر العلم. فيجلس الطلبة حوله يأخذون العلم إلى الإقامة لصلاة الصبح ثم يعودون إليه بعد الصلاة إلى الزوال وفيها يرجع لداره، ثم بعد صلاة الظهر كذلك إلى صلاة العصر. هكذا عادته مع الطلبة إلى يوم واحد، وهو في صلاة الصبح مع الإمام، سمع رجلاً بجنبه يدعوا في السجود وهو يقول: اللهم إن مورمغ كنكر ضاق علينا بلد، أرحنا منه. فلما سلّم قال: يا رب لا أعرف مضرتي للناس حتى يدعى علي. فارتحل ويمئذ من جني إلى كونا فنزل فيها. وسمع بخبره أهل جنج فبعثوا له القارب وارتحل فسكن في جنج إلى أن توفي، رحمه الله تعالى ونفعنا به. وقبره هنالك معروف يزار.

    ومنهم فودي الفقيه محمد ساقوا الونكري. كان فقيهاً عالماً عابداً صالحاً ولياً، فسكن جني في أواخر القرن التاسع، رحل من بلده في أرض بيط من أجل فتنة وقعت فيها، فتوجه إلى أرض جني. فبينما هو يسير ذات يوم حتى غربت عليه الشمس في موضع تأخر فيه لأجل صلاة المغرب وبسط برنسه وقام عليه يصلي، فلما فرغ من القريضة قام يصلي النوافل، فإذا اللصوص جاء عليه من ورائه فجبذ البرنس تحت رجله جبذاً رفيقاً. فنحي رجله ذلك عنه. ثم جبذه تحت الرجل لأخرى فنحاه عن بعضه وهو قائم ثابت لا يبرح. فخاف منه اللصوص ورد البرنس تحته على الحال الذي أخرجه، فتاب على يديه والله أعلم.

    فوصل في مسيره إلى بلد طورا وهو قرية بين جنى وشينَ من وراء البحر. فسكن فيه وبقي يأتي إلى جني كل يوم الجمعة لإداء فريضتها ولا بعرفه أحد. ثم إن واحداً من كبراء سلطانها رءا في منامه قائلاً يقول له: إن هذا الرجل الذي يأتيكم من طورا لصلاة الجمعة فأي بلد سكن فيها هو وذريته فهو أمان لها من الفتن، وأي بلد كان فيها قبره من توجه إلى أهلها بما يروّعهم روّعه بما هو أكبر منه. وبقي يرا تلك الرؤيا إلى ثلاث مرات. وفي المرة الثالثة نعته له، فأخبر السلطان بالرؤيا إلى آخرها. فأمره أن يرصده حتى يراه ويأتيه به. فلما رءاه، وقد توفرت فيه النعوت، أتى به إلى السلطان فقال له: هذه النعت التي رأيت.

    فأمره بالسكنى معهم في جني. فشرع في تخريب بيت الصنم الذي يعبده جاهليهم مع الديار التي هو في وسطها، لأنها بقيت على حالها من حين أسلموا خالية، وعدّها له دار السكنى، فأعطاه إياها وعظمه وأكرمه غياة التعظيم والإكرام. ومع ذلك كله لا يعشاهم في ديارهم ولا يجالسهم، فراوده بذلك السلطان غير مرة فلم يجده منه. ثم إن يوماً واحداً جاءه رجل واحد من أهل طاعة السلطان بمأرب يريد منه أن يذهب معه إليه لإنقاذ روحه، وقد توعده بالقتل. فقال: ليس من عادتي أن آتيه. فقال له روحي على عنقك تخاصمك له به غداً بين يدي الله تعالى إن لم تذهب معي إليه. فلما سمع منه ذلك القول عظم عنده وحاوز العظمة، فذهب معه إليه في الحين والساعة عاجلاً سرعاً. فلما شوّر عليه تعجب من إتيانه فأذن له بالدخول، فأخبره بسبب مجيئه. قال: عفوت عنه مع قبيلته أجمع من كل ذنب وجناية ومن كل ما يلزمهم من وظائف السلطنة إلى آخر الدهر، لكن بشرط أن تأكل معي طعامي. فرضي، فلما أحضر الطعام بين أيديهما مد الشيخ يده إلى الطعام انتفخ يده انتفاخاً شديداً قبل دخوله في الطعام. قال له: رأيت ما جرى. فقام وخرج عزيزاً مكرماً. وترك السلطان ذلك الرجل وقبيلته كما وعد له. هذه عصمة من الله تعالى لأوليائه الصالحين.

    ولما رءاه ولي الله تعالى الفقيه سيدي محمود بن عمر ابن محمد أقيت حين سافر إلى جني عجبه حاله جداً، فأثنى عليه لما رجع لتنبكت. ولذلك ولاه أمير المؤمنين أسكيا الحاج محمد قضاء مدينة جني بعد رجوعه من الحج. وهو أول قاض فيها الذي يفصل بين الناس بالشرع. وقبل ذلك لا يتفاصل الناس إلا عند الخطيب بالصلح، وهو شأن السودانيين، والبيضان هم يتحاكمون عند القضاة. وتلك عادة جارية عندهم إلى الآن. وجميع ما ذكر في بركاته رءاها الناس وشاهدوه معاينةً. والدعاء مستجابة عند روضته على القطع، وهي رحبة الجامع عند محراب السور المحيط بها الشمالي، رحمه الله تعالى ورضي عنه وأعاد علينا من بركاته أمين.

    ومن أهله القاضي العباس كب جنوي بلداً وعكري أصلاً كان فقيهاً عالماً جليلاً فاضلاً خيراً سخياً، له قدم راسخ في السخوة. وقبره في داخل الجامع قريب إلى مؤخره من جهة اليمين، رحمه الله تعالى.

    ومنهم القاضي محمود بن أبي بكر بغيغ والد العالمين الفاضلين الصالحين الفقيه محمد بغيغ والفقيه أحمد بغيغ وهو جنوي بلداً ونكري أصلاً كان فقيهاً عالماً جليلاً تولى القضاء بعد وفاة القاضي العباس كب في العام التاسع والخمسين بعد تسعمائة على يد أسكيا إسحاق ابن الأمير أسكيا الجاد محمد بعد رجوعه من غزوة تَعبَ.

    ومنهم القاضي أحمد ترف بن القاضي عمر ترف جنوي الأصل. والبلد كان خطيباً، ثم جعل إمام الجامع، ثم قاضياً فجمع المراتب الثلاث. ثم مشى للحج واستناب الخطيب ماما على الخطيبية والإمام يحيى على إمامة الجامع والقاضي مودب بكر تروري على القضاء. فتوفي هنالك رحمه الله تعالى، وبقوا في تلك المراتب راتبين. أما القاضي بكر المذكور فهو كَمَوِي أصلاً من أولاد سلاطينها، فزهد في السلطنة وخدم العلم فنال بركته.

    ومنهم القاضي محمد بنب كنات ونكري الأصل، كان فقيهاً عالماً جليلاً، تولى القضاء بعد وفاة القاضي بكر تروري، فهو آخر القضاة في دولة السودانيين.

    فهؤلاء من علماء مدينة جني المشهورين ولم نوردهم في هذا الكتاب إلا لأجل شهرتهم بالعلم تبركاً بذكرهم.

    وأما ذكر القضاة على الترتيب فأولهم القاضي محمد فودي سانو، هم القاضن فوك، ثم القاضي كناجي، ثم القاضي تنتاع، عم القاضي سنقم، ثم القاضي العباس كب، ثم القاضي محمود بغيغ، ثم القاضي عمر ترف، ثم القاضي تلماكلس، ثم القاضي أحمد ترف بن القاضي عمر ترف، ثم القاضي موذب بكر تروري، ثم القاضي محمد بنب كنات. فهؤلاء قضاة من أول دولة أمير المؤمنين أسكيا الحاج محمد إلى آخرها. والقضاة بعدهم في المدينة المذكورة سيأتي ذكرهم إن شاء الله تعالى عند ذكر الدولة الأحمدية الهاشمية العباسية الملوية صاحب مراكش رحمه الله تعالى.

    وأما علماء البيضان فقد سكن فيها كثير من أهل تنبكت وسيأتي ذكر بعضهم إن شاء الله عند ذكر الوفيات في الدولة الأحمدية المذكورة.

    الباب السابع

    ذكر تنبكت ونشأتها

    فنشأت على أيدي توارق مقشرن في أواخر القرن الخامس من الهجرة. فنزلوا فيها راتعين. وفي وقت الصيف في ساحل البحر في قرية أمظغ ينزلون، وفي وقت الخريف يرتحلون ويصلون أروان منازلاً ويبدلون، وهي حدهم في العوالي. ثم اختاروا موضع هذه البلدة الطيبة الطاهرة الزكية الفاخرة ذات بركة ونجعة وحركة التي هي مسقط رأس وبغية نفس، ما دننستها عبادة الأوثان ولا سجد على أديمها قط لغير الرحمان، مأوى العلماء والعابدين ومألف الأولياء وازاهدين وملتقى الفلك والسيار. فجعلوها خزانة لمتاعهم وزروعهم إلى أن صار مسلكاً للسالكين في ذهابهم ورجوعهم. وخازنهم أمتهم مدعوة بتنبك، ومعناه في لغاتهم العجزة، وهي بها، فسميت الموضع المبارك بها.

    ثم أخذالناس يسكنون فيه ويزداد بقدرة الله تعالى وإرادته في العمارة ويأتيه الناس من كل جهة ومكان حتى صار سوقاً للتجارة. وأكثر الناس إليه وروداً للتسّق أهل وغد، ثم أهل تلك الجهة كلها. وكان التسوق قبل في بلد بير وإليه يرد الرفاق من الآفاق وسكن فيه الأخيار من العلماء والصالحين وذوي الأموال من كل قبيلة ومن كل بلاد، من أهل مصر ووجل وفزان وغدامس وتوات ودرعة وتفلالة وفاس وسوس وبيط إلى غير ذلك.

    ثم انتقل الجميع إلى تنبك قليلاً قليلاً حتى استكملوا فيه وزيادة مع جميع قبائل الصنهاجة بأجناسها. فكانت عمارة تنبكت خراب بير، ولم أتته العمارة إلا من المغرب، لا في الديانات ولا في المعاملات. فأول الحال كانت مساكن الناس فيه زريبات الأشواك وبيت الأخشاش. ثم تحولوا عن الزريبات إلى الصناصن. ثم تحولوا عنها إلى بناء الحيوط أسواراً قصاراً جداً، بحيث من وقف في خارجها يرا ما في داخلها. ثم بنوا مسجد الجامع على حسب الإمكان، ثم مسجد سنكري كذلك. ومن وقف في بابه يومئذ يرا من يدخل في مسجد الجامع لأجل تخلية البلد من الحيطان والبنيان. وما ثبتت عمارته إلا في أواخر القرن التاسع، وما تكاملت البناء في الالتئام إلا في أواسط القرن العاشر في مدة أسكيا داوود ابن الأمير أسكيا الحاج محمد.

    فأول من ابتدأ فيه الملك كما تقدم أهل ملي، ودولتهم فيه مائة عام، وتاريخه من عام سبعة وثلاثين في القرن الثمن ثم. توارق مغشرن ودولتهم أربعون عاماً، وتاريخه من عام سبعة وثلاثين في القرن التاسع. ثم سن علي، وتاريخه من عام ثلاثة وسبعين في القرن التاسع، ومدة ملكه فيه أربهة وعشرون سنة. ثم أمير المؤمنين أسكيا الحاج محمد، ودولته مع عقبه مائة عام وأحد، وتاريخه رابع عشر من جمادي الأخرى في العام الثامن والتسعين في القرن التاسع، وآخرها سابع عشر من جمادي الأخرى في العام التاسع والتسعين في اقرن اعاشر. ثم الشريف الهاشمي السلطان مولاي أحمد الذهبي، وتاريخه انقراض دولة أهل سغي، وهو السابع عشر من جمادي الأخرى في العام التاسع والتسعين في القرن العاشر. وكان ملكه فيه اليوم خمسة وستين سنة.

    أما أكِل سلطان توارق فقد بقي في أيام سلطنته على حالهم القديمة من سكني البرارى في الحلات ويتبعون المراتع، وقوض أمر البلد على تنبكت كي محمد نض، وهو صنهاجي من قبيلة آخر أصله شنجيط. وهو أصل جميع هذه القبيلة، كما أن أصل أهل ماسنة تشيت وأهل تفرَست بير، بعد ما خرجوا من الغرب. وأمه بنت سوم عثمان، وهو في دولة أهل ملي من أرباب هذا المكان. واللقب الذي تبدل بتبدل الدولة وبيده الأمر والنهي والقبض والدفع، وغير ذلك الحاصل هو حاكم البلد. فبنى المسجد المعروف وجعل صاحبه وحبيبه الولي الفاضل القطب الكامل سيدي يحيى التادلي إماماً فيه. فتوفيا معا في آخر هذه الدولة. وراء الشيخ محمد نض في آخر عمره في المنام ليلةً واحدة أن الشمس غربت فغاب القمر بعدها في فورها. فقصها على السيد فقال له: إن كنت لا تخاف عبّرتها لك. فقال: لا أخاف. قال: أموت وتموت بعدي بقرب. فاغتم ساعتئذ فقال: ألست قلت أنك لا تخاف؟ فقال: هذا الغم ليس من خوف الموت، إنما هو من حنانة على أولادي الصغار. فقال له: فوض أمرهم إلى الله تعالى. فمات سيدي يحيى فمن قليل مات هو، رحمهم الله تعالى. ودفن في مجاورة السيد في تلك المسجد. وقيل ذهب بصره في آخر عمره ولم يفطن به الناس إلا ليلة وفاة السيد. لما زوحم على جنازته أخذ يضرب الناس بالسوط وإذا كان بصيراً لا يضرب أولئك الناس.

    وبعد وفاته ولي السلطان أكِل ولده الأكبر عمار مقامه. ثم تبينوا في آخر دولتهم بالظلم الفاحش الكثير الطغيان الكبير، وبقوا يسعون في الأرض فساداً، ويخرجون الناس من ديارهم قهراً ويزنون بحرمائهم. وما هي عادتهم مع تنبكت كي من العطية منعه منها أكِل. وكل ما جاء من الغرامة فلتنبكت كي منها ثلثها عادة. ومتى جاء من الحالات ودخل في البلد يكسبهم منها ويضيعهم ويفعل فيها جميع مراواته، والثلثان يقسمها على خدامه القينين.

    وفي يوم واحد جاء ثلاثة آلاف مثقال ذهباً ففرقها عليهم بالعود في يده-وعادتهم أن لا يمسوا الذهب بأيديهم-ثلااثة فرق، فقالوا: هذا ثمن كسوتكم وهذا ثمن أسواطكم وهذا عطية لكم. قالوا له: هذا لتنبكت كي عادةً. قال: من هو تنبكت كي، وما يعني، وما فائدته؟ اذهبوا به فهو لكم.

    فعضب وجمع كيده في الانتقام منه، فبعث لسن علي سراً أن يأتي حتى يمكن له تنبكت فيملكه. وأضعف له أحوال أكل في كل شيء في قدره وفي جسمه، وبعث له نعله ليعلم حقيقته وهو رجل نحيف قصير جداً. فأنعم له سن علي. فبينما أكل وتنبكت كي عمر ذات يوم جالسين على تنبكة أمظغ فإذا خيل سن علي وقوف في ساحل البحر من جهة كرم. فعزم أكل على الهروب ساعتئذ، وهو هروبه إلى بير مع فقهاء سنكري. وأما وراء البحر ما دخل فيها ملك التوارق أصلاً. فشرع تنبكت كي في إرسال القوارب الذين يقطعون فيه. ثم جاء سن علي في جهة هَوص فهرب عمر إلى بير خوفاً من مؤاخذة سن علي مما صدر منه قبل من المخالفة. فقال لأخيه المختار بن محمد نض: هذا الرجل ولا بد ينتقم مني، وتأخر إلى الغد وامض إليه بنفسك كأنك تخبره به، وقل له من أمس ما رأينا أخي عمر ولا أحسبه إلا هرب. وإذا سبقت إليه بذلك الخبر لعل إن شاء الله يجعلك تنبكت كي، فتبقى دارنا في ستر الله. وإذا ما فعلت هذا التدبير لا بد يقتلني ويقتلك، ويحرب دارنا ويشتّت شملنا. فكان الأمر بقدرة الله وإرادته كما ظن عمر، وهو رجل عاقل فاطن لبيب. ثم دخل تنبكت وخربها كما سيأتي إن شاء الله تعالى ذكره، بعد ذكر العلماء والصالحين الساكنين بتنبكت تبركاً بهم. أنالها الله تعالى بركاتهم في الدارين.

    الباب الثامن

    تعريف التوارق

    وهم المسوفة ينتسبون إلى صنهاجة. وصنهاجة يرفعون أنسابهم إلى حمير كما في كتاب الحلل الموشية في ذكر أخبار المراكشية. ونصه: هؤلاء لمتون ينتمون إلى المتونة وهم من أولاد لمت، ولمت وجدال ولمط ومسطوف ينسبون إلى صنهاجة. فلمت جد لمتونة، وجدال جد جدالة، ولمط جد لمطة، ومسطوف جد مسوفة، وهم ظواعن في الصحراء رحالة لا يطمئن بهم منزل، ليس لهم مدينة يأوون إليها، ومراحلهم في الصحراء مسيرة شهرين ما بين بلاد السودان وبلاد الإسلام. وهم على دين الإسلام وأتباع السنة، وهم يجاهدون السودان.

    وصنهاجة يرفعون أنسابهم إلى حمير، وليس بينهم وبين البربر نسب إلا الرحم، وإنهم خرجوا من اليمن وارتحلوا إلى الصحراء، وطنهم بالمغرب. وسبب أن أحد الملوك التبابعة لم يكن فيمن تقدمه من ملوك قومه مثله، ولم يبلغ أحد منهم في فضله وعزة ملكه وبُعد غوره ونكاية عدوه وقهره للعرب والعجم مبلغه. فأنسى جميع الأمم ممن كان قبله وكان قد أخبره بعض الأخبار بحوادث الأيام وبالكتب المنزلة من الله على رسوله عليه السلام وأن الله عز وجل يبعث رسولاً هن خاتم الأنبياء ويرسله إلى جميع الأمم، فآمن به وصدق بما يأتي به. قال فيه في أبيات من الشعر فقال:

    شهدت على أحمد أنه * رسول الله بارئ النسم

    فلو مد عمري إلى عمره * لكنت وزيراً له وابن عم

    في أبيات كثيرة قصتها مشهورة، وسار إلى اليمن ودعا أهل مملكته إلى ما آمن به فلم يجبه إلى ذلك إلا طائفة من قومه حمير. ولما مات غلب أهل الكفر أهل الإيمان فكان كل من آمن به مع تبع بين قتيل وطريد ومطلوب وشريد. فعند ذلك تلثموا لفعل نسائهم في ذلك الزمان، وفروا بأنفسهم وتفرقوا في الأقطار أيادي سبا. فكان خروخ سلف المتلثمين عن اليمن ما ذكر، وكانوا أول من تلثم. ثم انتقلوا من قطر إلى قطر ومن مكان إلى مكان باتقال الأيام والأزمان حتى صاروا بالمغرب الأقصى بلاد البرابر. فاحتلوا بها واستوطنه، وصار اللثام زيهم الذي أكرمهم الله به ونجاهم لأجله من عدوهم، فاستحسنوه ولازموه وصار زياً لهم ولأعقابهم، لا يفارقونه إلى هذا العهد. فتبربرت ألسنتهم بمجاورتهم البرابر وكونهم معهم ومصاهرتهم إياهم. والأمير أبو بكر بن عمر بن إبراهيم أبن تورقيت اللمتوني الذي خط مدينة حمراء مراكش هو الذي أخرجهم من المغرب إلى الصحراء لما غارت جدالة على لمتونة. واستخلف حينئذ ابن عمه يوسف بن تاشفين على المغرب. انتهى منه باختصار.

    الباب التاسع

    ذكر معض العلماء والصالحين الذين سكنوا مدينة تنبكت

    ذكر بعض العلماء والصالحين الذين سكنوا تنبكت سلفاً وخلفاً، رحمهم الله تعالى ورضي عنهم ونفعنا ببركاتهم في الدارين، وذكر بعض فضائلهم ومآثرهم. وكفى في ذلك ما رواه الشيوخ الثقات عن الشيخ العالم الفاضل الصالح الولي ذي الكرامات والعجائب الفقيه القاضي محمد الكابري، رحمه الله تعالى أنه. قال: أدركت من صالحي سنكري من لا يقدم عليه في الصلاح أحد إلا أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ورضي عنهم أجمعين.

    منهم الفقيه الحاج جد القاضي عبد الرحمان بن أبي بكر بن الجاج، تولي القضاء بتنبكت في أواخر دولة أهل ملي، وهو أول من أمر الناس بقراءة نصف حزب من القرآن للتعاليم في جامع سنكري بعد صلاة العصر وبعد صلاة العشاء. جاء هو وأخوه السيد الفقيه إبراهيم من بير فسكن في بنك، وقبره معروف هنالك يزار. قيل أنه من الأبدال. وروي عن شيخنا الفاضل الزاهد الفقيه الأمين بن أحمد أنه قال: جاءت غزوة سلطان موش في زمانه إلى بنك فخرج الناس إلى قتاله، ووجد الحال أن الجماعة قعود عنده ساعتئذ. فتكلم بما تكلم على شيء من الدخن وأمرهم بأكله فأكلوه إلا واحد منهم وهو صهره فاستحي لأجل المصاهرة. وقال لهم: اذهبوا إلى القتال ولا يضركم من سهامهم. فسلموا جميعاً إلا الرجل الذي لم يأكله فمات من ذلك القتال. فانهزم سلطان موش وطردوه مع جيشه، وما نالوا من أهل بنك ببركة هذا السيد المبارك.

    ومنه تنسل ولي الله تعالى الفقيه إبراهيم بن ولي الله تعالى الفقيه القاضي عمر الساكن يِندِبُغ وهما من عباد الله الصالحين. أسكيا الحاج محمد هو الذي ولاه قضاء تلك الناحية. وله ابن أخت كان يزور تنبكت بعض الأحيان فاشتكى به القاضي الفقيه محمود عند الأمير أسكيا الحاج محمد أنه ينقل كلامهم إلى أهل يندبغ على وجه النميمة. فلما نزل تِلَ جاءه الفقيه القاضي عمر في جماعته من أهل يندبغ للسلام عليه، فسأل عن ابن أخته قالوا له: هاهو ذا قال له: أنت الذي تنقل الكلام بين الفقيه محمود وبين خالك بالنميمة. فغضب القاضي عمر وقال له: أنت هو النمام الذي جعلت القاضي في تنبكت وجعلت القاضي في نيدبغ فقام مغضباً فسار نحو المرسى. قال لأصحابه: نسير ونقطع البحر ونمشي في حالنا. فلما وصل البحر أراد أن يدخل فيه. قالوا له: القارب ما كانت الساعة، اصبر حتى يجيئ. قال: ولو لم يكن. ففهموا منه أنه يقطع البحر بلا قارب، فأمسكوه وأجلسوه حتى جاء القارب وقطعوا معه، رحمهم الله ونفعنا بهم آمين.

    ومنهم الفقيه أبي عبد الله أند غمحمد بن محمد بن عثمان بن محمد بن نوح، معدن العلم والفضل والصلاح. ومنه تنسل كثير من شيوخ العلم والصلاح، منهم من جهة الآباء ومنهم من جهة الأمهات، ومنهم من جهتهما معاً. فهو عالم جليل قاضي المسلمين. قال العلامة الفقيه أحمد بابا رحمه الله: هو أول من خدم العلم من أجداده فيما أعلم، وهو جد جدي لأمه أبي أم جدي. تولى القضاء بتنبكت في أواسط القرن التاسع. قلت: وذلك في دولة التوارق. ثم عمر والد جدي فكان فقيهاً عالماً صالحاً، قرأ على الفقيه الصالح القاضي مودب محمد الكابري. انتهى كلام الفقيه أحمد بابا مختصراً.

    ومنهم ولد الفقيه المختار النحوي العالم بلك فن من فنون العلم. عاصر هو وابوه مع الفقيه العالم القطب ولي الله تعالى سيد يحيى التادلسي رحمهم الله تعالى ورضي عنهم. توفي رحمه الله تعالى في أواخر العام الثامنيث والعشرين بعد تسعمائة.

    ومنهم ولده أيضاً الفقيه عبد الرحمن عالم التهذيب للبرادعي التقي الحليم، ولم يترك عقباً إلا ابنة واحدة.

    ومنهم حفيده أبو العباس أحمد بُريُ بن أحمد بن أند غمحمد العالم التقي المقلل من الدنيا المتواضع لله تعالى. أخذ عنه العلم جماعة كثيرة من شيوخ العلم من المتأخرين من أهل سنكري رحمه الله تعالى.

    ومنهم حفيده أبو عبد الله أند غمحمد بن الفقيه المختار النحوي بن أند غمحمد إمام مسجد سنكري. سلم فيها شيخ الإسلام أبو البركات الفقيه القاضي محمود عند كبر سنه، فولاه إياها. وهو عالم تقي ورع متواضع واثق بالله شهير في علم العربية مادح لرسول الله صلى الله عليه وسلم مسرد لكتاب الشفاء للقاضي عياض رحمه الله تعالى في رمضان في مسجد سنكري، رحمه الله تعالى.

    ومنهم أبو عبد الله محمد بن الإمام أند غمحمد المادح لرسول الله صلى الله عليه وسلم المسرد لكتاب الشفاء للقاضي عياض بعد موت أبيه في مسجد سنكري إلى أن مات، رحمه الله تعالى.

    ومنهم الفقيه المختار بن محمد بن الفقيه المختار النحوي بن أند غمحمد المادح لرسول الله صلى الله عليه وسلم المنفق عن المداحين في ميلاد النبي صلى الله عليه وسلم، ويطرب لذلك غاية الطرب، ويبذل جهده فيه إلى أن مات رحمه الله تعالى.

    ومنهم ابنه الفقيه محمد سن بن الفقيه المختار شيخ المداحين، فقام به أحسن قيام بالسكينة والوقار على الدوام والاستمرار إلى أن توفي رحمه الله تعالى. كان خيراً فاضلاً تقياَ زاهداً ورعاً ذا مروة ووفاء وعهد، لازمته من حين الطفولية إلى انقضاء عمره والحمد لله على ذلك. وهو من ذرية الفقيه أند غمحمد الكبير من جهة الأب، والأم وأمه بنت الفقيه الإمام أند غمحمد. وكذلك الفقيه القاضي محمد قرينك وأخوه الفقيه القاضي سيد أحمد. أمهما بنت الفقيه الإمام أند غمحمد وأبوهما الفقيه أند غمحمد بن الفقيه أند غمحمدن بن أحمد بري بن أحمد بن الفقيه أند غمحمد الكبير. ولهذا الإمام المبارك خمس بنات مباركات، كلهن ولدن رجالاً مباركين، هاتان المذكورتان، الثالثة أم شيخ الشيوخ إمام مسجد سنكري الفقيه محمد بن محمد كري، والرابعة أم حامل كتاب الله تعالى محمد بن يُمذغربين، والخامسة أم أحمد ماتن بن أسِكل أخ تاكُرَي.

    ومنهم أبو العباس الفقيه أحمد بن أند غمحمد بن محمود بن الفقيه أند غمحمد الكبير الزكي الفطن العالم بفنون العلم من الفقه والنحو والأشعار وغير ذلك، رحمه الله تعالى.

    ومنهم أبو محمد عبد الله بن الفقيه أحمد بُريُ بن أحمد بن الفقيه أند غمحمد الكبير، وهو من ذريته من جهة الأب والأم، لأن أمه أخت الفقيه أبي العباس أحمد بن أند غمحمد. كان مفتياً في زمنه نحوياً لغوياً متواضعاً، شهر في زمنه بعلم القرآن والتوثيق، رحمه الله تعالى.

    ومنهم أسباطه الثلاثة شيوخ الإسلام الأئمة الأعلام: الفقيه عبد الله والفقيه الحاج أحمد والفقيه محمود أبناء الفقيه عمر ابن محمد أقيت. قال فيهم العارف بالله تعالى القطب سيدي محمد البكري: أحمد ولي، محمود ولي، عبد الله ولي. لو لا أنه في قرية، وقد بقي في تازخت حتى توفي فيه. ووصى أن لا يغسله أحد إلا تلميذه إبراهيم جد حبيب بن محمد بابا. فأتى ووجد سراجاً نوقداً عنده فقال لأهل بيته: اين سبحة الشيخ؟ فأتي به. فأمر بإطفاء السراج فوضع السبحة في مكان، فسطع منها نور أضاءت البيت حتى فرغ من الغسل.

    وأما الحاج أحمد فوهو من عباد الله الصالحين والعلماء العاملين.

    وأما محمود فهو صاحب كرامات وبركات كثيرات. وكم نودي في مواظن الغيبة لتفريج الشدائد والملمّات. فحضر ونفذ، وبعد ما دفن أخوه الأكبر الحاج أحمد رحمه الله تعالى ونفعنا به ورجع لداره صار حزيناً جداً، بحيث يعزيه الناس ولا يفطن لهم. فلما حاذا بدار عثمان طالب تنفس الصعداء وقال: الآن افترق أخي أحمد مع الملائكة. وعلم الناس أنه يشاهدهم، ولذلك تحزن. وهذا نوع عظيم في الكرامات والمكاشفات. وروي عن الفقيه المصلي وهو من أكبر شهود مجلسه واسمه الفقيه أند غمحمد بن ملوك بن أحمد بن الحاج الدليمي من أهل الزاوية في المغرب، وهو سمي جد الفقيه محمود من أمه، ولقب بالمصلي لكثرة صلاته في المسجد، أنه قال: عزمت على خطبة ابنة منه فكتبت البراءة مني فعزمت متى خرج جميع جلسائه وبقيت أنا وهو أعطيتها إياه. فلما تخاليت معه بداني بالكلام وقال: الطيور التي يتّحد جنسها هي التي تجمع في الطيران. فعلمت حينئذ أنه كوشف على ما عزمت عليه فتركتها. وتوفي المصلي رحمه الله سنة خمس وتسعين وتسعمائة، بعد ما أخذ العلامة الفقيه القاضي أبو حفص عمر سنتين في القضاء.

    ومنهم أبو حفص عمر ابن الحاج أحمد بن عمر بن محمد أقيت النحوي المادح لرسول الله صلى الله عليه وسلم صباحاً ومساءً، المسرد لكتاب الشفاء في كل يوم رمضان في مسجد سنكري، الواصل لرحمه المتعاهد لأقاربه، يتفقدهم في صحتهم ويعودهم في مرضهم، المنشر وجهة للخاصة والعامة، المتوفي شهيداً في مدينة مراكش. رحمه الله تعالى ورضي عنه، وبرد ضريحه وأسكنه أعلى الفراديس فسيحه.

    ومنهم أخوه أبو بكر المعروف بأبكر بير بن الحاج أحمد بن عمر بن محمد أقيت العالم الزاهد المتصدق المنفق على الأيتام والتلاميذ، المتغرب في أيام دولته مع جميع عياله وأولاده إلى مجاورة رسول الله صلى الله عليه وسلم حباً لله ولرسوله صلى الله عليه وسلم. وسكن المدينة المشرفة إلى أن مات مع كافة عياله في جوار المصطفى صلى الله عليه وسلم. وقد عزم على ترحيلهم حين حج في المرة الأولى حتى برز بجميع العيال وانفصل بهم عن البلد. فانتزعهم منه القاضي العدل العاقب، وعلم أنه لا يرجع إليهم، ولا يحب مفارقته إلى المرة الثانية. بعد وفاة العاقب رحل بهم جميعاً وجاور في المدينة المشرفة إلى أن ماتوا كلهم. ومن كرامته أن أخاه العلامة الفقيه أحمد بن الجاج أحمد طلب من أبي البركات ولي الله تعالى القطب سيدي محمد البكري رحمهم الله تعالى ورضي عنهم أن يريه ولياً من أولياء الله الذي يتوسل به إليه سبحانه. فأنعم له إلى ليلة واحدة بعد ما صلى العشاء الآخرة في جامع الأزهر أراد أن يخرج، وهو ممسك بيد الفقيه أحمد، فوضع يده ذلك على رأس رجل جالس فيه في الظلام. فقال هاهو مطلوبك. فجلس بين يديه وسلم عليه، فإذا هو أخوه أبكر بير فتحدث معه قليلاً. ثم خرج ووجد ذلك السيد واقفاً في باب الجامع ينتظره. فقال: هذا الذي أريتني. فقال: هاهنا يصلي العشاء الآخرة كل ليلة.

    ومنهم أخوه العلامة المحدث الفقيه أحمد بن الحاج أحمد عمر بن محمد أقيت العالم الجميل الفصيح الذي كمل الله له أوناع الجمال كلها خلقاً ولوناً وصوتاً وخطاً وفصاحة، البارع في علم الأدب والفقه والحديث، المادح لرسول الله صلى الله عليه وسلم، المسرد للصحيحين في مسجد سنكري، المحبب إلى جميع الخلق، العزيز عندهم. وكفى في عزه وشرفه ما خاطبه به السيد الولي الصالح أبو عبد الله محمد البكري في قصيدته المرسلة إليه حين غاب عنه. وذلك قوله رضي اله عنه ونفعنا به:

    أحبّتنا والله إني على عهدي * وحبي لكم حبي وودّي لكم ودي

    ولم أنس أيام التداني وطيبها * وأوقاتنا ما بين عور إلى جدي

    وإني على ذكري لكم وتوجهي * إلى الله فيما ترتحبون من الرفدي

    وأسأله في كل وقت مكرم * بتحقيق ما تبغون من واسع المدّي

    لعمر ودين ثم أولادكم وما * ترومون من فضل يفيض بلا حدي

    ومنهم أولاد شيخ الإسلام أبي البركات ولي الله تعالى الفقيه القاضي محمود ابن عمر بن محمد أقيت: القاضن محمد، والقاضي العاقب، والقاضي عمر، والفقيه عبد الله والولي الزاهد الفقيه عبد الرحمن. قال بركة الإسلام الفقيه مسر أند غمحمد والشيخ الفاضل الفقيه مسر بير ما فضلنا محمود بن عمر إلا بالأولاد الصالحين انتهى.

    أما القاضي محمد فكان عالماً جليلاً فهاماً ذكياً، وليس له نظير في عمره في الفهم والدهاءة والعقل. وساعدته الدنيا، وما أصبح في ليلة ولادته إلا وألف مثقال هباً، بات في ملكه من ضيافة الرجال الذين فرحوا بولادته/ لأنه أول مولود ذكر لأبي البركات الفقيه محمود.

    وأما القاضي العاقب فكان عالماً جليلاً ثاقب الذهن، قوي القلب، صليب في الحق، لا يخاف في الله لومة لائم، ذا فراسة إذا تكلم في شيء، لا يخطئ كلامه، كأنه ينظر في الغيب. قد ملأ أرضه بالعدل بحيث لا يعرف له نظير في ذلك من جميع الأفاق.

    وأما أبو حفص القاضي عمر قد برع في علم الحديث والسير والتواريخ وأيام الناس. وأما الفقه فقد بلغ فيه الغاية القصوى، حتى قال بعض من عاصره الشيوخ أنه لو كان موجوداً في زمن ابن عبد السلام بتونس لاستحق أن يكون مفتياً فيها.

    وأما عبد الله فهو عالم فقيه مدرس متقلل من الدنيا مع ما بسط الله تعالى له فيها من الرزق حتى كاد أن لا يعرف نهايته.

    وأما الشيخ الصالح الولي الناصح العارف بالله تعالى ابنه الناسك العابد الزاهد الورع الواعظ أبو زيد عبد الرحمن. كان فقيهاً عالماً معرضاً عن الدنيا بكليته، بحيث لم يقبلها ولو في لحظة واحدة، ذا مكاشفات. وأصحاب مدرسته يحكون عنه في ذلك حكايات كثيرات من ذلك ما روي بالتواتر أن محملة الباشا جودار لما برزت من مراكش أشار بها لأهل تنبكت يومئذ، وهو يوم الأربعء الثاني من المحرم فاتح عام التاسع التسعين بعد تسعمائة. فلما صلى بالناس الظهر وجلس في مدرسته قال بالله بالله بالله لتسمعن في هذا عالم ما لم تسمعوا بمثله قط ولترون في ما لم تروا بمثله قط. وفي جمادي الأولى منه ورد السودان وفعلوا ما فعلوا. والعياذ بالله من مثلها. هكذا يفعل منها كثيراً.

    ومنهم الفقيه العالم الرباني الولي الصالح أبو العباس أحمد بن الفقيه محمد السيد بسط الفقيه محمد، المشهور بالعلم في زمنه، وحضر مجلسه جماعة كثيرة من شيوخ العلم للأخذ عنه، منهم القاضي عمر بن الفقيه محمود، والفقيه محمد بغيع الونكري، وأخوه الفقيه أحمد يغيع، والفقيه محمود كعت، والفقيه محمد كب بن جابر كب وغيرهم. وذهدوا له بالعلم والسيادة والورع والصلاح رحمه الله تعالى وأبقى بركته علينا وعلى المسلمين.

    ومنهم حفيده الفقيه العالم أبو بكر بن أحمد بير بن الفقيه محمود، كان فاضلاً خيراً تاقياً صالحاً، نشأ به وشهد له بذلك أعمامه الصالحون واتفقوا على تقديمه للصلات بالناس حين مرض الإمام القاضي العاقب رحمه الله تعالى.

    ومنهم الفقيه العالم العلامة فريد دهره ووحيد عصره البارع في كل فن من فنون العلم أبو العباس أحمد بابا بن الفقيه أحمد بن الحاج أحمد بن عمر بن محمد أقيت. فجد واجتهد في بداية أمره بخدمة العلم حتى برع جميع معاصره وفاق عليهم جداً، ولا يناظر في العلم إلا أشياخه، وشهدوا بالعلم. وفي الغرب اشتهر أمره وانتشر ذكره، وسلم له علماء الأمصار في الفتوى وكان. وقّاناً عند الحق، ولو كان من أدنى الناس، ولا يداهن فيه ولو للأمراء والسلاطين. واسم محمد مكتوب في عضده الأيمن في الخلقة بخط أبيض. وجميع من ذكرنا بعد ذكر الشيخ المبارك الفقيه أند غمحمد الكبير إلى هنا فهم من نسله المباركين وذريته الصالحين، رحمهم الله تعالى ورضي عنهم ونفعنا ببركاتهم في الدارين.

    وأما جد الفقيه محمود محمد أقيت فهو من أهل ماسنة، وسمعت العلامة الفقيه أحمد بابا رحمه الله أنه قال: ما رحّله منها إلى بير إلى بغض الفلانيين وهم متجاورون في سكناها وقال عنه أنه على يقين من عدم مناكحته معهم ولكن يخاف ذلك على أولاده لئلا يتناسلوا معهم. انتهى كلامه.

    ثم بعد ذلك خطر له حب سكنى تنبكت وأكِل هو سلطانه يومئذ. فارتحل من بير ونزل بحلته بينه وبين رأس الماء. ثم تحدث مع جد مسر أند عمر وأخبره به. فقال له: ما يمنعك منه؟ قال: أكِل، فأتت بيني وبينه عداوة كبيرة. فقال له: أنا إن شاء الله تعالى أكون سبباً حتى تزول تلك العداوة وتسكن في تنبكت كما تريد. فجاء إلى أكِل في حلته ونزل عنده وبقي يتحدث معه إلى أن أخبره أن محمد أقيت ما يريد اليوم إلا أن يسكن في تنبكت. قال: لا يصيب ذلك. قال له ولِم. فدخل في خيمته وأخرج درقة مشقوقة بالطعن بالرمح والضرب بالسيف، فقال له: انظر إلى ما عمل لي محمد أقيت، وكيف يسكن المرء في بلده مع عدوه الذي عمل له هذا العمل؟ وقال له: هيهات الذي عرفته فيه قد فات، صار اليوم مسكيناً ذا عيال لا يريد إلا العافية. وما زال يلاطفه بالقول اللين الحسن حتى زالت منه تلك العداوة وأذن له بالمجيء إلى تنبكت. فرجع إليه وأخبره به فارتحل مع عياله إليه وسكن فيه.

    ومن الشيوخ المباركين أهل سنكري الفقيه أحمد بن الفقيه إبراهيم ابن أبي بكر بن القاضي الحاج والد مام سِر. روي عن شيخنا الزاهد الفقيه الأمين بن أحمد أخي الفقيه عبد الرحمن أنه قال: لا يحول بين الشيخ أحمد هذا وبين درس المصحف إلا إقراء العلم. وهو يلازم هذا العمل الصالح في جميع أوقاته رحمه الله تعالى ورضي عنه وأعاد علينا من بركاته.

    ومنهم الفقيه صالح ابن محمد أند عمر المعروف بصالح تكن، الشيخ المعمري المستحرم عنه السلاطين، يشفع للمساكين عندهم، ولا يردون شفاعته على كل حال. ألّف شرحاً على مختصر الشيخ خليل، رحمه الله تعالى.

    ومنهم السيد أبو العباس أحمد بن محمد بن عثمان بن عبد الله بن أبي يعقوب العالم الفقيه اللغوي النحوي المتفنن في علوم الأدب والتفاسير والأشعار وشهد له بالعلم جماعة الشيوخ رحمه الله آمين.

    الباب العاشر

    نبذة من كتاب الذيل لأحمد بابا

    وفي كتاب الذيل للعلامة الفقيه أحمد بابا رحمه الله قال: أحمد بن عمر بن محمد أقيت بن عمر بن علي بن يحيى بن كدالة الصنهاجي التنبكتي جدي، والد الوالد، يعرف بالحاج أحمد، أكبر الإخوة الثلاثة شهروا علماً وديناً في قطرهم من أهل الخير والفضل والدين، حافظاً على السنة والمروة والصيانه والتحري، محباً في النبي صلى الله عليه وسلم، ملازماً لقراءة قصائد مدحه وشفاء عياض على الدوام، فقيهاً لغوياً نحوياً عروضياً محصلاً، اعتنى بالعلم طول عمره، وكتبه كتب عدة، كتب بخطه مع فوائد كثيرة، وترك نحو سبعمائة مجلد أخذ عن جده لأمه الفقيه أند غمحمد وعن خاله الفقيه مختار النحوي وغيرهما. شرّق في عام تسعين وثمانمائة وحج، ولقي الجلال السيوطي والشيخ خالد الوقاد الأزهري إمام النحو وغيرهما. ورجع في فتنة الخارجي سن علي، ودخل كَنو وغيرها من بلاد السودان، ودرس العلم وأفاد وانتفع به جمع كثير، أجلهم الفقيه محمود، قرأ عليه المدونة وغيرها. واجتهد في العلم درساً وتحصيلاً حتى توفي ليلة الجمعة في ربيع الثاني عام ثلاثة وأربعين وتسعمائة عن نحو ثمانين سنة. وطلب للإمامة فأبى فضلاً عن غيرها. ومن مشهور كراماته أنه لما زار القبر الشريف طلب الدخول إلى داخله فمنعه الخدام منه، فجلس خارجه يمدحه صلى الله عليه وسلم فانحل له الباب وحده بلا سبب فتبادروا لتقبيل يده هكذا سمعت الحكاية من جماعته.

    عبد الله بن عمر بن محمد أقيت بن عمر بن علي بن يحيى الصنهاجي المسوفي، شقيق جدي المتقدم. كان فقيهاً حافظاً زاهداً ورعاً ولياً صالحاً في غاية الورع والتوقي قوي الحفظ، درس بولاتن، وتوفي بها سنة تسع وعشرين وتسعمائة. وولد سنة ست وستين وثمانمائة. له كرامات.

    محمود بن عمر بن محمد أقيت بن عمر بن علي بن يحيى الصنهاجي التنبكتي قاضيها أبو الثناء وأبو المحاسن عالم التكرور وصالحها ومدرسها وفقيهها وإمامها، بلا مدافع كان من خيار عباد الله الصالحين العارفين به، ذا تثبت عظيم في الأمور وهدي تام وسكون ووقار وجلالة، اشتهر علمه وصلاحه في البلاد وطار صيته في الأقطار شرفاً وغرباً وجنوباً وشمالاً، وظهرت بركته إلى ديانة وصلاح وزهد ونزاهة لا يخاف في الله لومة لائم. هابته الخلق كلهم: السلطان فمن دونه، فصاروا تحت أمره يزورونه في داره متبركين به، فلا يلتفت إليهم. ويهادونه بالهدايا والتحف تترى. وكان سخياً جواداً ولي القضاء عام أربعة وتسعمائة، فسدد في الأمور الشدد، وتوخى الحق، ولذوي الباطل هدد. فاشتهر عدله بحيث لا يعرف له نظير في وقته، مع ملازمة التدريس وللفقه، من فيه حلاوة وطلاوة سهل العبارة حسن التقريب، فلا يتكلف فانتفع به كثيرون، وحيى العلم ببلاده، وكثر طلبة الفقه، ونجب جماعة منهم فصاروا علماء. وأكثر ما يقرئ المدونة والرسالة ومختصر خليل والألفية والسلالحية وعنه. انتشر إقراء خليل هنالك وقيّد عنه تقاييد عليه أبرزها بعضهم شرحاً في سفرين. وحج عام خمسة عشر وتسعمائة فلقي السادة كإبراهيم المقدسي والشيخ زكرياء والقلقشندي من أصحاب ابن حجر واللقانيين وغيرهم، وعرف صلاحه ثمة. ورجع لبلاده ولازم الإفادة وإنفاذ الحق، وطال عمره فألحق الأبناء بالأباء، درس نحو خمسين سنة. توفي سنة خمس وخمسين ليلة الجمعة سادس عشر رمضان. وبلغ من الجلالة وتعظم الناس له وشهرة الذكر بالصلاح مبلغاً لم ينله غيره. وولد سنة ثمان وستين وثمانمائة. أخذ عنه والدي رحمه الله وأولاده الثلاثة القضاة محمد والعاقب وعمر وغيرهم.

    مخلوف بن علي بن صالح البلبالي فقيه حافظ رحلة، اشتغل بالعلم على كبر على ما قيل. فأول شيوخه سيدي العبد الصالح عبد الله بن عمر بن محمد أقيت شقيق جدي بولاتن، قرأ عليه الرسالة ورأى منه نجابة، فحضّه على العلم، فرغب فيه. وسافر للغرب فأخذ عن ابن غازي وغيره. واشتهر بقوة الحافطة حتى ذكر عنه العجب في ذلك. ودخل بلاد السودان ككنو وكشن وغيرهما، وأقرأ هناك. وجري له أبحاث في نوازل مع الفقيه العاقب الانصمني. ثم دخل تنبكت وأقرأ بها. ثم رجع للغرب فدرس بمراكش، وسمّ هناك فمرض فرجع لبلده. وتوفي بعد الأربعين وتسعمائة.

    محمد ابن أحمد بن أبي محمد التازختي عرف بأيد أحمد بهمزة مفتوحة وياء ساكنة فدال مفتوحة، مضاف لاسم أحمد معناه ابن. كان فقيهاً عالماً فهاماً محدثاً متفنناً محصلاً جيد الخط حسن الفهم كثير المنازعة. قرأ ببلاده على جدي الفقيه الحاج أحمد بن عمر وعلى خاله الفقيه علي، وحصل ولقي بتكدة الإمام المغيلي وحضر دروسه. ثم رحل للشرق صحبة سيدنا الفقيه محمود، فلقي أجلاء كشيخ الإسلام زكرياء والبرهانين القلقشندي وابن أبي شريف وعبد الحق السنباطي وجماعة فأخذ عنهم علم الحديث، وسمع وروى وحصل واجتهد حتى تميز في الفنون وصار من المحدثين، وحضر درس الأخوين اللقانيين، وتصاحب مع أحمد ابن محمد وعبد الحق السنباطي. وأجازه من مكة أبو البركات النويري وابن عمته عبد القادر وعلي بن ناصر الحجازي وأبو الطيب البستي وغيرهم. ثم رجع لبلاد السودان وتوطن كشن فأكرمه صاحبها وولاه قضاءها. وتوفي في حدود ست وثلاثين وتسعمائة عن نيف وستين سنة له. تقيد وطرر على مختصر الشيخ خليل.

    محمد بن محمود بن عمر بن محمد أقيت بن عمر بن علي بن يحيى الصنهاجي قاضي تنبكت. كان فقيهاً فهاماً دراكاً ثاقب الذهن من عقلاء الناس ودهانهم. ولي القضاء بعد أبيه. فساعدته الدنيا، فنال ما شاء من دولة ورياسة وحصل له دنيا عريضة. شرح رجز المغيلي في المنطق. أخذ عنه والدي البيان والمنطق. وتوفي في صفر سنة ثلاث وسبعين وتسعمائة. مولوده عام تسعة وتسعمائة.

    العاقب ابن محمود بن عمر بن محمد أقيت بن عمر بن علي ابن يحيى الصنهاجي قاضي تنبكت. كان رحمه الله مسدداً في أحكامه، ثبتاً فيها، صليباً في الحق، لا تأخذه في الله لومة لائم، قوي القلب جداً، مقداماً في الأمور العظام التي يتوقف فيها، جسوراً على السلطان فمن دونه، لا يبالي بهم. ووقع له معهم وقائع، وكانوا يخضعون له ويهابونه ويطاوعونه فيما يريد. إذا رأى ما يكره عزل نفسه وسد بابه، فيلاطفونه حتى يرجع. وقع له مراراًز. ذا بصيرة نافذة في الأمور، لا يخطئ فراسته كأنه ينظر في الغيب، موسعاً عليه في دنياه، مجدوداً في أموره مع التحري والتوقي مهيباً جداً. أخذ عن أبيه وعمه. رحل وحج ولقي الناصر اللقاني وأبا الحسن البكري والشيخ البشكري وطبقتهم. أجازه اللقاني كل ما يجوز له وعنه، وأجازني هو كذلك وكتب في خطه بذلك. ولد عام ثلاثة عشر وتسعمائة، وتوفي في رجب عام أحد وتسعين.

    العاقب ابن عبد الله الأنصمني المسوفي من أهل تكدة قرية عمرها صنهاجية قرب السودان. ففيه نبيه ذكي الفهم وقّاد الذهن مشتغل بالعلم في لسانه، ذراية له تعاليق، من أحسنها كلامه على قول خليل، و"خصصت نية الحالف" حسن مفيد، لخصته مع كلام غيره في جزء سميته "تنبيه الواقف على تحرير خصصت نية الحالف". وله جزء في وجوب الجمعة بقرية انصمن خالف فيه غيره والصواب معه، و"الجواب المجدود عن أسئلة القاضي محمد بن محمود"، و"أجوبة الفقير عن أسئلة الأمير" أجاب فيها أسكيا الحاج محمد، وغيرها. أخذ عن المغيلي والجلال السيوطي وغيرهما. ووقع له نزاع من الحافظ مخلوف البلبالي في مسائل كان حياً قرب الخمسين وتسعمائة.

    أبو بكر بن أحمد بن عمر بن محمد أقيت تنبكتي المولد نزيل المدينة المشرفة، عمي. كان خيراً صيتاً ورعاً زاهداً تقياً أوّاهاً ولياً مباركاً معروف الصلاح ظاهر الزهد والورع والبر متين الدين كثير الصدقة والعطاء، قل أن يمسك شيئاً مع قلة ذات يده، مبرزاً في الخير لا نظير له، نشأ على ذلك. حج وجاور. ثم آب لبلاده لأجل أولاده. فأخذهم ورجع وحج وسكن المدنية حتى مات فاتح إحدى وتسعين وتسعمائة. ولد عام اثنين وثلاثين. وهو أول من قرأت عليه علم النحو، فلب بركته ففتح لي فيه في مدة قريبة بلا عناء. له أحوال جليلة، كثير الخوف والمراقبة لله، ونصح عباده، يردف زفرة بعد أخرى. رطب اللسان بالتهليل وذكر الله على الدوام، كثير الانشراح مع الناس من خيار صالحي العباد. رفض الدنيا وزهد في زهرتها مع ما لأهل بيته حينئذ من عظيم الجاه. ما رأيت قط مثله ولا من يقرب منه في حاله. تواليف لطاف في التصوف وغيره.

    أحمد بن أحمد بن عمر بن محمد أقيت بن عمر بن علي ابن يحيى والدي الفقيه العالم بن الفقيه العالم. كان ذكياً دراكاُ متفنناً محدثاً أصولياً بيانياً مشاركاً. وكان رقيق القلب، عظيم الجاه، وافر الحرمة عند الملوك وكافة الناس، نفاعاً بجاهه، لا يرد له شفاعة، يغلظ على الملوك فمن دونهم، وينقادون له أعظم الانقياد ويزورونه في داره. ولما مرض في كاغ في بعض أسفاره كان السلطان الأعظم أسكيا داوود يأتي إليه بالليل فيسهر عنده حتى برئ ويسمر عنده تعظيماً لقدره. وكان مشهور القدر والجلالة وافر الجاه بحيث لا يعارض محباً في أهل الخير، متواضعاً لهم، لا ينطوي على حقد لأحد، منصفاً للناس، جماعاً للكتب، وافر الخزانة، محتوية على كل علق نفيس، سموحاً بإعارتها. أخذ عن عمه بركة العصر محمود ابن عمر وغيره، ورحل للشرق سنة ست وخمسين فحج وزار واحتمع بجماعة كالناصر اللقاني والشريف يوسف تلميد السيوطي والجمال بن الشيخ زكرياء والأجهوري والتاجوري، وبمكة وطيّبة بأمين الدين الميموني والملائي وابن حجر وعبد العزيز اللمطي وعبد المعطي السخاوي وعبد القادر الفاكهي وغيرهم وانتفع بهم ولازم أبا المكارم محمد البكري وتبرك به وقيد عنه فوائد. ثم قفل لبلده فدرس قليلاً، وشرح مخمسات العشرينيات الفازازية في مدائح النبي صلى اله عليه وسلم ومنظومة المغيلي في المنطق شرحاً حسناً، وعلق على موضع من خليل وعلى شرحه للتتاءي حاشية بيّن فيه مواضع السهو منه، وعلى صغرى السنوسي والقرطبية، وجمل الخونجي، وفي الأصول، ولم يكمل غالبها. أسمع الصحيحين نيفاً وعشرين سنة في شهر رجب وتالييه وغيرهما. توفي في ليلة الاثنين سابع عشر من شعبان عام إحدى وتسعين وتسعمائة. وثقل عليه لسانه وهو يقرأ صحيح مسلم في الجامع. فأشار عليه شيخنا العلامة محمد بغيع وهو جالس حذاءه بقطع القراءة. فتوفي ليل الاثنين بعده أخذ عنه جماعة كالفقيهين الصالحين شيخنا محمد وأخيه أحمد أبي الفقيه محمود يغيع، قرأ عليه الأصول والبيان والمنطقن، والفقيهين الأخوين عبد الله وعبد الرحمن أبي الفقيه محمود وغيرهم. وحضرت أنا عليه أشياء عدة وأجازني جميع ما يجوز له وعنه. وسمعت بقراءة الصحيحين والموطأ والشفاء. وُلد فاتح المحرم عام تسعة وعشرين وتسعمائة. ورأيت له بعد وفاته رؤياً حسنة، رحمه الله تعالى.

    أحمد ابن محمد بن سعيد سبط الفقيه محمود بن عمر فقيه عالم محصل مدرس. حضر على جده المذكور الرسالة ومختصر خليل مرة، وأخذ عن غيره المختصر والمدونة. انتفع الناس به من عام ستين إلى وفاته في المحرم فاتح ست وسبعين وتسعمائة.

    ومنهم الفقيهان الأخوان شيخنا محمد وأخوه أحمد قرأ عليه الموطأ والمدونة وخليلاً وغيرها. وله حاشية على خليل اعتمد فيه على البيان والتحصيل. ولد عام إحدى وثلاثين. أدركته وأنا صغير وحضرت دولته. >محمد بن محمود ابن أبي بكر الونكري التنبكتي عرف ببغيع بباء مفتوحة فغين معجمة ساكنة فياء مضمومة وعين مهملة مضمومة، شيخاً وبركتنا الفقيه العالم المتفنن الصالح العابد الناسك. كان من صالحي خيار عباد الله والعلماء العاملين مطبوعاً على الخير وحسن النية وسلامة الطوية والانطباع على الخير واعتقاده في الناس حتى كاد الناس يتساوون عنده في حسن ظنه بهم وعدم معرفة الشر، يسعى في حوائجهم، ويضر نفسه في نفعهم، ويتفجع لمكروههم، ويصلح بينهم، وينصحهم إلى محبة العلم وملازمة تعليمه وصرف أوقاته فيه وصحبة أهله والتواضع التام. وبذل نفائس الكتب الغريبة العزيزة لهم، ولا يفتش بعد ذلك عنها كائناً ما كان من جميع الفنون، فضاع له بذلك جملة من كتبه نفعه الله بذلك. وربما يأتي لبابه طالب يطلب كتاباً فيعطيه له من غير معرفته من هو. فكان العجب العجائب في ذلك إيثاراً لوجهه تعالى مع محبته للكتب وتحصيلها شراء ونسخاً. وقد جئته يوماً أطلب منه كتب نحو ففتش في خزانته فأعطاني كل ما ظفر به منها. إلى صبر عظيم على التعليم أناء النار، وعلى إيصال الفائدة للبليد بلا ملل ولا ضجر حتى يمل خاكروها وهو لا يبالي حتى سمعت بعض أصحابنا يقول: أظن هذا الفقيه شرب ماء زمزم لئلا يمل في الإقراء، تعجباً من صبره، مع ملازمة العبادة، والتجافي عن ردي الأخلاق، وإضمار الخير لكل البرية حتى الظلمة، مقبلاً على ما يعنيه، متجنباً الخوض في الفضول. ارتدى من العفة والمسكنة أزين رداء. وأخذ بيده من النزاهة أقوى لواء مع سكينة ووقار وحسن أخلاق وحياء سهلة الإيراد والإصدار. فأحبّه القلوب كافة، وأثنوا عليه عامة بلسان واحد إلى الغاية. فلا ترا إلا محباً مادحاً ومثنياً بالخير صادقاً طويل الروح لا يأنف من تعليم مبتدئ أوبليد. أفنى فيه عمره مع تشبثه بحوائج العامة وأمور القضاة، لم يصيبوا عنه بديلاً ولا نالوا له مثيلاً. طلبه السلطان بتولية ولاية محلته فأنف منه وامتنع وأعرض عنه، واستشفع فخلصه الله تعالى. لازم الإقراء سيما بعد موت سيدي أحمد بن سعيد. فأدركته أنا يقرئ من صلاة الصبح أول وقته إلى الضحى الكبيرة دولاً مختلفة. ثم يقوم لبيته ويصلي الضحى مدة، وربما مشى للقاضي في امر الناس بعدها، أو يصلح بين الناس. ثم يقرئ في بيته وقت الزوال، ويصلي الظهر بالناس، ويدرس إلى العصر. ثم يصليها ويخرج لموضع آخر يدرس فيه للاسفرار أو قربه. وبعد المغرب يدرس في الجامع إلى العشاء، ويرجع لبيته. وسمعت أنه يجيئ آخر الليل على الدوام. وكان دراكاً ذكياً فطناً حاضر الجواب سريع الفهم منور البصير سكوتاً صموتاً وقوراً. وربما انبسط مع الناس، وربما زجرهم آية من جودة الفهم وسرعة الإدراك، معروفاً بذلك أخذ العربية والفقه عن الفقيهين الصالحين والده وخاله. ثم قطن مع أخيه الفقيه الصالح أحمد تنبكت. فلازما الفقيه أحمد بن سعيد في مختصر خليل. ثم رحلا للحج مع خالهما فلقوا الناصر اللقاني والتاجوري والشريف يوسف الأوميوني والبرهموشي الحنفي والإمام محمد البكري وغيرهم فاستفادوا ثمة. ثم رجعا بعد حجهما وموت خالهما فنزلا بتنبكت. فأخذ عن ابن سعيد الفقه والحديث فرآ عليه والموطأ والمدونة والمختصر وغيرها ولازماه وعن سيدي والدي الأصول والبيان والمنطق قرآ عليه أصول السبكي وتلخيص المفتاح. وحضر عليه شيخنا وحده جمل الخونجي، ولازم مع ذلك الإقراء حتى صار أخيراً شيخ وقته في الفنون لا نظير له. ولازمته أكثر من عشر سنين. فختمت عليه مختصر خليل بقراءته وقراءة غيره نحو ثماني مرات، وختمت عليه الموطأ قراءة فهم، وتسهيل ابن مسالك قراءة بحث وتحقيق مرة بثلاث سنين، وأصول السبكي بشرح المحلي ثلاث مرات قراءة تحقيق، وألفية العراقي بشرح مؤلفها، وتلخيص المفتاح بمختصر السعد مرتين فأزيد، وصغرى السنوسي وشرح الجزيرة له، وحكم ابن عطاء الله مع شرح زروق ونظم أبي مقرعة، والهاشمية في التنجيم مع شرحهما ومقدمة التاجوري فيه، ورجز المغيلي في المنطق، والخزرجية في العروض. فشرح الشريف السبتي وكثيراً من تحفة الحكام لابن عاصم مع شرحها لولده كلها بقراءته. قرأت عليه فرعي ابن الحاجب قراءة بحث جميعه وحضرته في التوضيح، كذلك لم يفتني منه إلا من الوديعة إلى الأقضية، وكثيراً من المنتقي للباجي، والمدونة بشرح أبي الحسن الزرويلي، وشفاء عياض. وقرأت عليه صحيح البخاري نحو النصف وسمتعه بقراءته، وكذا صحيح مسلم كلها ودولاً من مدخل ابن الحاج، ودروساً من الرسالة والألفية وغيرها. وفسرت عليه القرآن العزيز إلى اثناء سورة الأعراف، وسمعت بلفظه جامع المعيار للونشريسي كاملاً وهو سفر كبير، ومواضع آخر منه. وباحثته كثيركثيراً في المشكلات، وراجعته في المهمات. وبالجملة فهو شيخي وأستاذي ما نفعني أحد كنفعه وبكتبه رحمه الله تعالى وجازاه بالجنة. وأجازني بخطه جميع ما يجوز له وعنه. واقفته على بعض تواليفي، فسر به، وقرظ عليه لي بخطه، بل كتب عني أشياء من أبحاثي، وسمعته ينقل بعضها في دروسه لإنصافه وتواضعه وقبوله الحق حيث تعين. وكان معنا يوم الواقعة علينا فكان آخر عهدي به. ثم بلغني أنه توفي يوم الجمعة في شوال عام اثنين وألف. مولوده عام ثلاثين وتسعمائة. له تعاليق وحواشي نبه فيها على ما وقع لشراح خليل وغيره، وتتبع ما في الشرح الكبير للتتاي من السهو نقلاً وتقريراً في غاية الإفادة، جمعتها في جزئي تأليفاً رحمه الله تعالى. انتهى ما كتبته من الذيل.

    ومن سادات أهل سنكري من روي ثقات عن ثقات أنه تصدق بألف مثقال ذهباً على يد الشيخ الفقيه الولي الصالح أبي عبد الله القاضي مودب محمد الكابري، وفرقه على المساكين في باب مسجد سنكري، وذلك أنه كانت مجاعة حينئذ. فتكلم الشيخ في مدرسته وقال: من يفتح في ألف مثقال أتكفل له الجنة. ففتحها ذلك السيد المتصدق وفرقها على المساكين. وقيل رئي بعد ذلك في المنام قائلاً يقول له لا تنكفل علينا بعد.

    وروي أن الولي الزاهد الفقيه عبد الرحمن بن الفقيه محمود حكى هذه القصة في مدرسته في المسجد، فقال له رجل: يا سيدي وهنا الساعة، من إذا تكفلت له الجنة يعطي ألف المثقال ذهباً؟ فقال السيد عبد الرحمن في الجواب: الكابري وأمثاله هم رجال هذا الطريق.

    ومنهم هذا الشيخ أعني الفقيه القاضي مودب محمد الكابري شيخ الشيوخ، رحمه الله تعالى ورضي عنه ونفعنا به في الدارين. توطن تنبكت في القرن التاسع والله أعلم، وعاصر فيها كثيراً من الأشياخ، منهم الفقيه سيدي عبد الرحمن التميمي جد القاضي حبيب، والفقيه أند غمحمد الكبير جد الفقيه القاضي محمود لأمه، والفقيه عمر بن محمد أقيت والد الفقيه محمد المذكور، والعلامة القطب سيدي يحيى التادلسي وغيرهم. قد بلغ الغاية القصوى في العلم والصلاح. وأخذ عنه الفقيه عمر ابن محمد أقيت وسيدي يحيى. وقيل لا ينسلخ شهر إلا ويختم عليه تهذيب البرادعي لكثرة قراءه، والبلد حافلة يومئذ بالطلبة السودانيين، أهل المغرب المجتهدين في العلم والصلاح، حتى قيل أن معه في روضته ثلاثون كابرياً مدفونون كلهم عالمون صالحون. وروضته بين روضة ولي الله تعالى الفقيه الحاج أحمد بن عمر ابن محمد أقيت وبين موضع صلاة الاستسقاء، على ما خبرنا به شيخنا الزاهد الفقيه الأمين بن أحمد أخ الفقيه عبد الرحمن، ردمهم التراب.

    ولهذا الشيخ المبارك كرامات كثيرة باهرة، منها أن واحداً من طلبة مراكش يطلق لسانه فيه ويذكره بما لا ينبغي، حتى يقول فيه الكافري، بكسر الفاء المكسورة. وهو ممن له جاه بليغ وحظ عظيم عند الأمراء الشرفاء، ويسرد لهم صحيح البخاري في رمضان. فسلط الله عليه الجذام، وجلب له الأطباء من كل جهة ومكان حتى قال واحد منهم لا يداويه إلا قلب الصبي الأدمي يأكله. فكم من صبيان ذبحهم له الأمير يومئذ فما نفع فيه شيء حتى مات منه في بئس الحال، والعياذ بالله. روي ذلك عن العلامة الفقيه أحمد بابا رحمه الله تعالى. ومن كراماته ما رويته عن والدي رحمه الله تعالى عن أشياخه أنه خرج ذات يوم من أيام عشر ذي الحجة لشراء الأضحية، وكانت منه في وراء البحر، ومعه واحد من تلاميذه. فتخطى على البحر وتبعه التلميذ على ما ظهر له في الحال مما الله تعالى عالم به، فغرق في وسط البحر بعد ما خرج منه الشيخ. فصاح عليه ومد يده وأخرجه منه، فقال له: ما حملك على ما فعلت؟ فقال: لما رأيتك فعلتَ فعلتُ أنا إذاً. فقال له: أين قدمك من القدم الذي ما تخطى في معصية قط؟ انتهى.

    وقد رثاه يوم مات رحمه الله تعالى الشيخ الإمام الوالي العارف القدوة المكاشف القطب الغوث الجامع السالك السيد الشريف الرباني سيدي يحيى التادلسي بأبيات وهو هذه:

    تذكر ففي التذكار جل الفوائد * وفي طيه ورد على خير وأرد
    ألم تر سفر الحث بالفضل خصصوا * سفر ذوي الأفكار أحظى بزائد
    تُفيء لب المرء طبية الصبا * فيلحق فتياناً ويقوي لساعد
    وفي نقص هذه الأرض للحجر عبرة * من أطرافها يبدو ومن كل ماجد
    وبالقبض للنظار في العلم قبضة * وفي ذلك أنذار بقرب الشدائد
    آ طلاب علم الفقه تدرون ما الذي * يثير هموم القلب من كل وافد
    يثير هموم القلب فقد سُمَيدع * فقيه حليم حامل للفرائد
    بحسن تعليم مقرب فهمه * وفتاق نهذيب بحسن الفوائد
    محمد الأستاذ مودب ذي النهي * رباطاً صباراً أمره في التزايد
    فيا عجباً هل بعده من مبيّن * ويا عرباً هل بعده من مجالد
    فلو لا التعزي بالنبي وصحبه * وأعلام علم الدين منه وراشد
    لحق لدمع العين سيح على الولا * لإفناء أشباح وإطفاء واقد
    لقد أظلم الورى وبانت همومه * صبيحة أسرى نفيه في الأصاود
    أينكر ذو حجر زحاماً لحمله * ففي السلف الأسى قوي التكابد
    إذا انكسر النعشان من تحت سالم * ومن آمنا الغرا زيادة واحد
    وفي ذلك تعظيم وحسن تأدب * مع الصالح الموفي بعهد المقالد
    آ إخواننا فادعوا له بتقبل * وروح وريحان سني الشاهد
    وبسط برزق في فراديس جنة * شهادة أستاذ وطاعة عابد
    عليه من الرحمن ذي المجد والعلى * سلام باللطاف عزيز القوائد
    وصلى إله العرش ربي بمنه * على خير مبعوث وأفضل شاهد
    محمد المختار للختم رحمة * بتتميم أخلاق كرام المعاهد
    وللآل والأصحاب والتابع الذي * بحبهم يدعو دعاء المعاقد

    انتهى نقلتها من خط والدي رحمه الله تعالى وعفى عنه بمنه.

    ذكر نسب الشيخ سيدي يحيى رحمه الله تعالى ونفعنا به وأعاد علينا من بركاته في الدنيا والآخرة. وهو يحيى بن عبد الرحيم بن عبد الرحمن الثعلبي بن يحيى البكاء ابن أبي الحسن علي بن عبد الله بن عبد الجبار بن تميم بن هرمز ابن حاتم بن فصي بن يوسف بن يوشع بن ورد بن بطال ابن أحمد بن محمد بن عيسى بن محمد بن الحسن بن علي بن أبي طالب كرم الله وجهه ورضي الله عنهم ورحمهم أجمعين. قدم تنبكت والله أعلم في أوائل دولة التوارق. فتلقاه تنبكت كي محمد نض فأحبه وأكرمه عاية الإكرام، فابتنى مسجده وجعله إماماً فيه. فبلغ الغاية القصوى في العلم والصلاح والولاية، وانتشر ذكره في الآفاق والأقطار، وظهرت بركاته للخاصة والعامة. فكان ذا كرامات ومكاشفات. قال أبو البركات الفقيه القاضي محمد: ما طرا قدم تنبكت قط إلا وسيدي يحيى أفضل من صاحبه. وقال ابنه الولي الزاهد الفقيه الواعظ أبو زيد عبد الرحمن بن الفقيه محمود: فواجب على أهل تنبكت أن يزوروا روضة سيدي يحيى للتبرك في كل يوم، ولو كانت منهم على مسافة ثلاثة أيام. وفي بداية أمره رحمه الله تعالى تخلي عن المعاملات، ثم اشتغل بها في آخر الحال، وأخبر أنه قبل الاشتغال بها يرى النبي صلى الله عليه وسلم كل ليلة، ثم صار لا يراه إلا مرة واحدة في الأسبوع، ثم بعد شهر مرة، ثم بعد سنة مرة. وسئل: ما السبب في ذلك؟ قال: لا أحسبه إلا من تلك المعاملات. فقيل له: فهلا تركتها؟ قال: لا، ما أحب أن أحتاج إلى الناس لأنظر-رحمنا الله وإياك-إلى مصيبة المعاملة، مع أن هذا الشيخ المبارك يتحافظ فيها من المحظورات غاية ونهاية. وانظر أيضاً إلى ثقل الاحتياج إلى الناس، كيف ترك هذا السيد المبارك هذه المزية العلية العظيمة لأجله. نسأل الله العفو والمعافات في الدارين بمنه.

    ويروى أنه كان في مدرسته ذا ت يوم تحت الصومعة من خارج يقرأ وحوله عصابة من الطلبة، فإذا لصحاب ارتفع وحصل على إنزال المطر، حتى استعد الطلبة للقيام. ثم ترعد فقال لهم: على رسلكم فاسكنوا، ولا ينزل هنا والملك يأمره بالنزول في أرض كذا. فجاز على حاله. وحدثنا شيخنا الزاهد الفقيه الأمين بن أحمد رحمه الله تعالى أن جواري الشيخ سيدي يحيى طبخن حوتاً طرياً من صبح إلى عشي فلم تؤثر النار فيه شيئاً، فتعجبن بذلك حتى سمعه، فقال لهن أن رجلي مس شيئاَ مبلولاً في السقيفة حين أخرج لصلاة الصبح اليوم، لعل هو والنار لا تحرق ما مسه جسدي. وروي أن طلبة سنكري إذا جاءوه لأخذ العلم يقول: يا أهل سنكري كفاكم سيدي عبد الرحمن التميمي، وهو جاء من أرض الجحاز صحبة السلطان موسى صاحب ملي حين رجع من الحج، فسكن تنبكت وأدركه حافلاً بالفقهاء السودانيين. ولما رأى أنهم فاقوا عليه في الفقه رحل إلى فاس وتفقه هنالك، ثم رجع إليه فتوطن فيه. وهو جد القاضي حبيب رحمهم الله تعالى. وفي السنة السادسة والستين بعد ثمانمائة توفي سيدي يحيى وتوفي بعده عن قريب صاحبه الشيخ محمد نض كما مر رحمه الله تعالى عليهما.

    ومنهم الشيخ مسِر بوب الزغراني صاحب الفقيه محمود بن عمر كان عالماً فاضلاً خيراً صالحاً عابداً نادر المثل في قبيلته، لأنها لا تعرف بالصلاح ولا بحسن الإسلام. لازمه الواعظ الزاهد الفقيه عبد الرحمن بن الفقيه محمود في بداية أمره، فاتدى بهديه واستمع من مواعظه. وقيل أنه كان في مدرسته ذات يوم فأذنه الناس بجنازة فقال من هو؟ قيل: زغراني. قال: نصلي عليه لأجل الشيخ مسِر.

    صاحب الكرامات الفقيه أبو عبد الله محمد بن محمد بن علي ابن موسى عريان الرأس كان من عباد الله الصالحين زاهداً سخياً. خرج من ماله كله صدقة لله، ويأتيه التدور والفتوحات، فلا يمسك منها شيئاً بل يتصدق بها للفقراء والمساكين. واشترى كثيراً من المماليك وأعتقهم لوجه الله تعالى والدار الآخرة. وليس له بواب، كل من جاء يدخل بلا استئذان، يزوره الناس من كل فج في كل ساعة، وأكثرها بعد صلاة العصر من يوم الجمعة. وأكثر الناس زيارة له أهل المخزن الباشات فمن دونهم والعربان المسافرون لما رأوا من بركاته كثيراً. وهو بين انبساط وانقباض. إذا انبسط يتحدث لمن أغشاه بعجائب وغرائب ويضحك ويفرط فيه، وربما يضرب بيده المباركة في يد من قابله في الجلس في حالة الضحك، ويضع يده اليسرى على فيه، وقد ضرب في يدي كثيراً. ومتى انقبض لا يتحدث بشيء سوى الجواب لمن تكلم له. وأكثر ما أسمعه في تلك الحال: ما شاء الله كان، وما لم يشاء لم يكن، أو يقول: حسبي الله وكفى، سمع الله لمن دعى، ليس وراء الله منتهى. ومن طلب منه الفاتحة عند انقلابه يمد يديه المباركين يقول بعد التعوذ والبسملة يس إلخ، يا أرحم الراحمين يا أرحم الراحمين يا أرحم الراحمين. ثم يقرأ الفاتحة ثلاث مرات ويدعو ويقول: أصلحنا الله وإياكم وأصلح أمورنا وأموركن وأصلح عاقبتنا وعاقبتكم في عافية ثلاث مرات، إلا في آخر عمره. لما دنا الرحيل اتخذ بواباً ولا يأذن في الدخول عليه مثل الحال الأول بل يرد الناس في بعض الأحيان واقتصر حينئذ في قراءة الفاتحة على مرة واحدة. ثم تركها فقال لي يوماً واحداً حين جلست بين يديه: كل من جاء هنا قلت لهم لا أقدر على قراءة تلك الفاتحة. فدعا لي بالدعوة المعهودة مرة واحدة وعليها اختتم. رحمه الله تعالى ورضي عنه وأعلى درجته في أعلى عليين.

    وفي بداية أمره تجلى له أبو المكارم ولي الله تعالى القطب الجامع سيدي محمد البكري، وهو حديث السن يومئذ. وقد خرج من عند حبيبه في الله تعالى الفقيه أحمد بن الحاج أحمد بن عمر بن محمد أقيت على العادة المعروفة بينهما في الزيارة، فأدركه قاعداً عند باب مسجد سنكري وقت الزوال، والمسجد ما زال ما فتح، وبيده كتاب الرسالة لابن أبي زيد القيرواني يقرأه على شيخه الفقيه عبد الرحمن بن الفقيه محمود. فوقف عليه الشيخ المبارك وسأله: أيش هذا كتاب الذي بيدك؟ فقال: الرسالة، فمد إليه يده المباركة وقال: أرنيه. فجعله في يده، فطالع فيه قليلاً، ثم رده له. وقال: بارك الله لك فيه. فجاز وهو لا يدري من هو ولا رأى مثل لونه قط. فلما جاء شيخه المسجد قص عليه القصة، فظن أنه الشيخ المذكور. فلما خرج من المسجد طرق أخاه الفقيه أحمد المذكور، فقال له: وهل جاء عندكم اليوم السيد محمد البكري؟ قال: نعم وقد تأخر عندي اليوم أكثر من عادته المعتادة. فأخبره بما جرا بينه وبين محمد ولد أد علي موسى، هكذا يقول له أهل سنكري. ثم بعد ذلك تشوش عقله حتى ظن الناس أن به جنوناً، ولا يبيت إلا في المساجد. ستكون عاقبته له خيراً. وقد أخبرني الثقة من طلبته أنه سأله: هل كان أحد رأى الله سبحانه في الدنيا؟ قال: نعم ومعك في هذا البلد الآن من رأى الله تعالى جل وعز. قال أخبرت شيخنا العلامة الفقيه محمد بابا بن الفقيه الأمين به، من غير أن أذكر له القائل. فقال لي: الذي أخبرك به هو الذي رآه تبارك وتعالى. وكنا عنده ثلاثة نفر أنا ورجلان يوماً واحداً بعد صلاة العصر من يوم الجمعة وهو في حال الانبساط يحدثنا، فإذا السحاب قد ثارت، فتغير وجهه وتشوش وقطع حديثه وجعل ينزعج في مجلسه. وأول ما نزل من أقطار المطر غلظ لنا في الكلام وشدد، وقال: لا أجالس مع الإنسان إذا ينزل المطر، فخرجنا جميعاً. فحدثت شيخنا الفقيه الأمين به، فتعدب. وروينا عن بعض الإخوان أنه قال: كان لي جار نتجالس في طرفي النهار ونتوانس، فتفقدته، وداره قريب لداري فمشيت إليه لأرى كيف هي حاله. فلما سلمت عند باب داره شاور عني البواب، فجاء وقال: سيدي يقول لا تراه في هذه الساعة. قال فكدت أتميز من الغيظ من تلك المقالة فضربت صدري بيدي وقلت: مثلي يجيء إلى فلان لداره ويردني بلا رؤيته! عزمت على أن لا أكلمه أبداً. ثم بعد ذلك زرت الشيخ المبارك سيدي محمد عريان الرأس. فلما حصلت بين يديه بدأني بالكلام بعد السلام، فقال: كان ولي من أولياء الله تعالى تفقد حالاً من أحواله فحزن لذلك حزناً شديداً حتى تمنى لقاء الخضر عليه السلام ليكون له وسيلة عند الله تعالى في رد تلك الحال. ثم إن الله تعالى ردها له بفضله وكرمه بلا وسيلة أحد. فبعد ذلك جاء الخضر فسلم عليه في باب داره وقال: من أنت؟ فقال: المطلوب. قال: قد أغنانا لله عنك. فرجع الخضر ولم يضرب صدره بيده بقول: مثلي يرد، يا فلان! الإنسان معذور وربما يكون في حال لا يقبل أن يراه أحد فيها. قال ففهمت ما إليه الإشارة، فتبت في نفسي اسغفرت ومشيت إلى ذلك الأخ فسلمت، وأمر بفتح الباب بسرعة، فدخلت وقال لي: سامحني في تلك المجيء الذي ما رأيتني فيه، وأنا ممدود ساعتئذ على الأرض وبطني سبيل لا أقبل أن يراني أحد في تلك الحال. وقلت: سامح الله لنا ولك جميعاً.

    وروي عن بعض جيرانه أنه قال أتيت القاضي محمود بن أحمد بن عبد الرحمن يوماً فقال لي: وجارك هنالك؟ قلت: نعم. قال الولي الذي لا يأتي الجمعة؟ فسكت، ثم بعد ذلك أتيت جيراني السيد محمد عريان الرأس فقال لي: يا فلان نعفو أولاً. قلت: العفو هو أفضل. قال: إن لم نعف يكن ما لا ينبغي. قل للذي يزعم بعدم إتيان الجمعة من أدراه قبل أن يأتي الجمعة هو سبقه إليها الذي زعم أنه لا يأتيه. والحكاية عنه في هذا الباب كثير جداً، رحمه الله تعالى ورضي عنه ونفعنا به في الدارين أمين.

    ومنهم الفقيه العالم الزاهد الصالح التقي الورع شيخنا الأمين بن أحمد أخ الفقيه عبد الرحمن بن أحمد المجتهد لأمه، كان لسانه رطباً، يذكر الله تعالى. ولا يسميه السيد محمد عريان الرأس إلا بالأمين الذاكر. وحدثني بعض الإخوان من أهل سنكري عن والده وهو شيخ معمر أنه قال: أدركت سنكري والأسلاف الصالحون متوافرون فيها، فلم أر مثل حال الفقيه الأمين فيهم في حسن الإسلام. وحدثنا رحمه الله تعالى في مدرسته أن الفقيه عمر ابن محمدم بن عزر أخ الفقيه أحمد مغيا كان يقرأ كتاب الشفاء للقاضي عياض على العلامة الحافظ الفقيه أحمد بن الحاج أحمد ابن عمر بن محمد أقيت، يحضر هو وولده الفقيه أحمد بابا والفقيه القاضي سيدي أحمد. ولا يقبل الأستاذ السؤال لأحد إلا للعارف وحده وللسيد أحمد في بعض الساعات. وأما ولده أحمد بابا إذا سأل يقول له: اسكت، إلى يوم واحد سأل الأستاذ القارئ عمر عن قبح هل هو لازم أو متعد، فسكت. ثم سأل سيدي أحمد، فسكت. قال فتلوت هذه الأية: هم من المقبوحين. فرفع بصره إلي وتبسم، وكنا جماعة نعرض على شيخنا الفقيه الأمين كتاب دلائل الخيرات، والنسخ تختلف في إثبات لفظة سيدنا وإسقاطها، فسألناه عنه. فقال: كنا نعرضه على الشيخ العلامة الفقيه محمد بغيع فسألناه عنه كذلك. فقال: ليس في ذلك الاختلاف بأس، لا يضر بشيء. وسألنا أيضاً عن القول المؤلف" وأن تغفر لعبدك فلان بن فلان". فقال كنا نعرضه أيضاً على الفقيه عبد الرحمن بن الفقيه محمود، فسألناه عنه. فقال مجاوباً: وإن تغفر لعبدك عبد الرحمن ولم يذكر والده. وأما تاريخ وفاته فسيأتي إن شاء الله تعالى في العام الحادي والأبعين بعد ألف وتاريخ وفاة السيد محمد عريان الرأس يأتي إن شاء الله تعالى في العام والعشرين بعد ألف.

    الباب الحادي عشر

    ذكر آية المسجد الجامع ومسجد سنكري على الترتيب

    أما جامع الكبير فالسلطان الحاج موسى صاحب ملي هو الذي بناها، وصومعتها على خمسة صفوف، والقبور لاصقة بها من خارجها في جهتي اليمين والمغرب. وتلك عادة السودان أهل المغرب لا يدفنون أمواتها إلا في رحاب مساجدهم وجوانبها من خارج، وذلك بعد ما رجع من الحج تتملك تنبكت. فلما جدد الفقيه العدل القاضي العاقب بن القاضي محمود بناءها خربها وسواها مع جميع القبور بالأرض من كل جهة، صير الجميع مسجداً، وزادها زيادة كبيرة.

    فأول من تولى إمامتها الفقهاء السودانيون كانوا أئمة فيها في دولة أهل ملي وفي طائفة من دولة التوارق. وآخر الأئمة منهم فيها الفقيه القاضي كاتب موسى مكث في الإمامة أربعين سنة، لم يستنب ولو في صلاة واحدة لأجل صحة البدن التي رزقه الله تعالى بها. وسئل عن سبب تلك الصحة فقال: أحسبها من ثلاثة أشياء، ما بت في الهوى ولو ليلة واحدة في الفصول الأربعة كلها، وما بت ليلة واحدة إلا ودهنت جسمي، وبعد الفجر استحممت بالماء السخون، وما خرجت لصلاة الصبح قط إلا بعد الفطور. هكذا سمعته من والدي ومن الفقيه سيد أحمد رحمهم الله تعالى. ولا يقضي بين الناس إلا في رحبته سُسُ دبي في وراء داره من جهة المشرق ينصب له المنصّة تحت شجرة كبيرة، كانت هنالك يومئذ. وهو من علماء السودان الذين رحلوا إلى فاس لتعلم العلم في دولة أهل ملي بأمر السلطان العدل الحاج موسى.

    فخلفه في الإمامة والله أعلم جد جدتي أم والدي الفقيه الفاضل الخير العابد سيدي عبد الله البلبالي وهو والله أعلم أول البيضان صلى بالناس في تلك المسجد في أواخر دولة التوارق وفي أوائل دولة سن علي. جاء إلى تنبكت صحبة الفقيه الإمام القاضي كاتب موسى لما رجع من فاس هو مع أخيويه والد عبد الرحمن المعروف بالفع تُنكَ ووالد موسى كرَى ووالد نانا بير تور، وقد احترمه الخارجي سن علي كثيراً جداً. كان من عباد الله الصالحين زاهداً ورعاً لا يأكل إلا من عمل يده. وظهرت له كرامات وبركات. فدخل عليه سارق ليلة واحدة وطلع على نخلة كانت في عرصة داره يريد أن يسرق تمرها، فلصق على النخلة إلى الصبح، فعفى عنه وأمره بالنزول فخرج. ومن بركته أنه وقع مرض بتنبكت في بعض الأحيان، قلً من سلم منه. فاحتطب يوماً على رأسه إلى البلد وباعها، فكل من توقد تلك الحطب واصطلى بها استشفى وبرئ من حينه. ثم عاود فكذلك حتى فطن الناس له، وبقي يخبر بعضهم بعضاً به، فازدحموا على شرائها. فرفع الله تعالى ذلك المرض عن الناس ببركته.

    وما خلفه في الإمامة فيما أظن والله أعلم إلا الشيخ الفاضل الصالح الخير الزاهد العابد العارف بالله تعالى الولي سيدي أبو القاسم التواتي قد سكن في جوار المسجد الجامع من جهة القبلة، ليس بينها وبين داره إلا الطريق الضيق النافذ، بعد ما ابتنى محضراً في قبالة المسجد لاصقاً بها، وفيها يقرأ الأطفال.

    وبعد ما توفي خلفه فيه تلميذه السيد منصور الفزاني وبعده السيد الفاضل الصالح الخير الزاهد المقرئ عالم التجويد الفقيه إبراهيم الزلفي وهو أستاذ والدي.

    والسيد أبو القاسم هو الذي أحدث هذه المقبرة التي هي المقابر اليوم بعد ما امتلأت المقبرة القديمة التي حول المسجد وجعل عليها السور. ثم خربت وامتحت. وهو الذي ابتدأ قرأة الختمة في المصحف بعد صلاة الجمعة مع قرأة حرف واحد من العشرينيات. وحبس أمير المؤمنين أسكيا الحاج محمد تابوتاً فيها ستون جزءاً من المصحف في ذلك الجامع لأجل تلك الختمة، وبقيت تقرأ فيها إلى العام العشرين بعد ألف، بدلت بأخرى، حبسها الحاج علي ابن سالم بن عبيدة المسراتي، وهي في الجامع الآن.

    وصلى الأمير الجمعة فيها يوماً من الأيام، فتربص بعد السلام إلى أن يسلم على الشيخ الفاضل الإمام سيد أبي القاسم التواتي. فبعث أخاه فرن عمر ليخبره بإتيانه للسلام عليه، فأدركهم في قرأة المدح، فوقف على رأسه ينتظر فراغهم. فلما تأخر أتبعه الأمير المرسول الآخر، فإذا فرن برفع الصوت فقال: أسكيا يريد الركوب. فأجابه هو برفع الصوت، ما زالوا في القرأة، فنهاه الشيخ أشد النهي وقال: اخفض صوتك، أما علمت أن النبي صلى الله عليه وسلم يحضر أينما يمدح. فيقرأ عليه مصراعاً من أبيات المنشد وأدنيته بالذكر، فهو به معي. فبعد الفراغ جاءه الأمير فسلم عليه، وقرأ له الفاتحة.

    وتأخر في تلك الإمامة جداً. كان ذا كرامات وبركات، يطعم الطعام، وأكثر إطعامه للمداحين لشدة محبته لمدح النبي صلى الله عليه وسلم. وموضع المدح قريب لداره، ومتى سمعهم يمدحون خرج إليهم بالرغائف السخونة كأنما خرجن من الفرن تلك الساعة، ولو كان في جوف الليل حتى تبين للناس أنها من الكرامة.

    وروي أن المؤمنين رأوا الماء يقطر في ثيابه يوماً واحداً وهو في صلاة الصبح ويغلس بها جداً. فلما سلم سئل عنه، فقال استغاث فيّ غريق تلك الساعة في بحر دب فأنقذته، فمنها تلك الماء.

    وروي أن الناس ازدحموا على نعشه في الليل المظلمة وتصادموا حتى سقطوا على الأرض جميعاً. وبقي النعش في الهوى واقفاً بقدرة البارئ سبحانه حتى قاموا وأمسكوه وراء الناس. هنالك جماعة كثيرة غير معروفين بعد تسعمائة. وتوفي الفقيه المختار النحوي في أواخر تلك السنة كما وقفت عليه في بعض التواريخ.

    وسمعت من بعض الفقهاء الذي له حفظ واعتناء بمعرفة التواريخ أن سيدي أبا القاسم توفي في العام الخامس والثلاثين بعد تسعمائة، وأن أبا البركات الفقيه محمود بن عمر لم يتأخر بعده إلا عشرين سنة، وأنه ما وقف قدام الناس للصلاة بعد ما سلم في الإمامة لابن خاله الإمام أند غمحمد لأجل ضعف أعضائه المباركة من الكبر، إلا في جنازة سيدي أبي القاسم التواتي، وفي جنازة شاهده قياض الغدامسي، فهو الذي صلى عليهما. ودفن في المقبرة الجديدة، ودفن فيها كثير من الصالحني. وقيل أن معه هنالك خمسين رجلاً تواتيين أمثاله في الصلاح والعبادة. وكذلك المقبرة القديمة حول المسجد فيها كثير من عباد الله الصالحين.

    وروي أن رجلاً واحداً شريفاً من أهل بيت النبي صلى الله عليه وسلم اتكف في المسجد القديم في رمضان، فخرج ليلة واحدة لقضاء حاجة الإنسان من الباب الوراءي نصف الليل. فلما رجع أدرك في المقابر كلها رجالاً جالسين وعليهم قمص وعمامات بيض فشقهم إلى المسجد. ولما توسطهم قال له واحد منهم: سبحان الله كيف توطأنا بنعالك؟ فقلع حتى دخل المسجد رحمهم الله تعالى ورضي عنهم ونفعنا ببركاتهم في الدنيا والآخرة أمين.

    ولما توفي تلميذه سيد منصور فسلم الناس له حتى دفن فيه وهم ثلاثة في تلك الروضة قال والدي رحمه الله تعالى: كان لأستاذنا الشيخ إبراهيم الزلفي جاه عظيم عند أهل تنبكت يومئذ لاعتقادهم فيه، ولو لا ذلك لا يسلمون له في ذلك الموضع.

    وبعد موت الإمام سيدي أبي القاسم اتفق أهل الجامع الكبير على الفقيه أحمد والد نانا شرك، فرفعوا أمره إلى أبي البركات القاضي الفقيه محمود، فكمل عليه وصار إماماً في الجامع. وبعد شهرين من ولايته جاء ابن سيد أبي القاسم من توات، فمشى أولئك الجماعة إلى الفقيه فقالوا: تريد أن تجعل لنا ابن الشيخ إماماً؟ فقال لهم: بعد تولية الإمام أحمد؟ إن لم تخرجوا عني أسجنكن جميعاً. ثم رجع إلى توات وبعد سبعة أشهر توفي الإمام أحمد المذكور رحمه الله.

    واتفقوا على الفقيه سيد علي الجزولي وهو طارء، فولاه الإمامة القاضي الفقيه محمود واستناب الفقيه الفاضل عثمان بن الحسن ابن الحاج التشتي متى عرض له العذر. وهو من عباد الله الصالحين. ولما حضرته الوفاة أعطاه ثياب جمعته. وله عادة في المؤاساة على المصلين في الجامع من رمضان إلى رمضان خمسمائة مثقال. وفي واحد من رمضان لم يحصل إلا مائتان مثقالاً، فبينه للفقيق محمود، فلما جاء إلى صلاة الجمعة وفرغ من تحية المسجد نادى المؤذن فقال له: قل لهؤلاء المسلمين مثل إمامكم هذا إذا ما زدتم في عادته في الخير، فلا تنقصوه منه،ا في الساعة أعطوا اخمسمائة المعروفة زيادة فلى المائتين، فكان سبعمائة مثقال في ذلك العالم.

    فتوفي رحمه الله تعالى بعد ما مكث في الإمامة ثمانية عشر سنة فقال الفقيه محمود جدير أن ينفرد بالروضة فدفن خارج السور من جهة الشمال. ثم أمر النائب الفقيه محمود عثمان أن يكون إماماً راتباً، فامتنع وقال له: لا تخرج من يدي حتى تدلني على من يستحقها.

    فدله على الفقيه صديق بن محمد تغلي فقبله فصار إماماً في الجامع، وهو كابري الأصل جنجوي المولد. فكان فقيهاً عالماً فاضلاً خيراً صالحاً، ارتحل من جنج إلى تنبكت وتوطن فيه إلى أن توفي. وسبب ارتحاله أنه صور مسئلة من مسائل الفقه في مدرسته يوماً واحداً، وهنالك من طلبته الذي ارتحل إلى تنبكت بعد ما قرأ عليه ما قرأ ثم رجع إلى جنج، فقال: صورة هذه المسألة ليست كذلك، على ما سمعت من الفقهاء في تنبكت. فقال الشيخ وما هي؟ قال كذا وكذا. قال: ضيعنا عمرنا باطلاً. فمن هذا ارتحاله رضي الله عنه.

    فانعقدت المحبة بينه وبين النائب وتحابا في الله تعالى، فصارا ملاطفين بحيث إذا تغدا كل واحد منهما بعث فضلته لصاحبه إلى داره، وإذا تعشى كذلك. ولا يتجهز للجمعة إلا في داره لشدة المحبة.

    ثم شرق الإمام صديق للحج فحج وزار واجتمع مع كثير من الفقهاء والصالحين، منهم العارف بالله تعالى سيدي محمد البكري الصديقي وهو يحب فقهاء تنبكت كثيراً، أخذ يسأله عنهم وعن أحوالهم، حتى قال له: الذي استنبته يصلي بالناس وراءك رجل صالح.

    ولما رجع من الغيبة ودخل داره جاءه أخوه وحبيبه النائب عثمان فسلم عليه وحمد الله له على السلام، وقال له: ادع الله لنا، أنت الذي وقفت في المواقف الكرام. فقال له الإمام صديق: بل أنت الذي تدعو الله لنا، أنت الذي قال فيك العارف بالله تعالى سيد محمد البكري رجل صالح. وحدثه بعض الشيوخ المعمرين من أهل تنبكت أنه حدثه الفقيه الزاهد المؤدب خال والدي سيد عبد الرحمن الأنصاري قال حدثني الإمام صديق قال أخبرني العارف بالله تعالى القطب سيدي محمد البكري الصديقي: أن عمارة تنبكت في عمارة صومعة الجامع الكبير، لا يفرط أهلها فيها. ومكث في الإمامة نحو أربعة وعشرين سنة والله أعلم. وفي صدر من ولايته القاضي العاقب توفي رحمه الله تعالى.

    فرتب النائب الفقيه عثمان بعد ما امتنع. فحلف له إن لم يكنه ليسجننه. وفي العام الخامس والسبعين بعد تسعمائة توفي جاره جدنا عمران، فصلى عليه، ودفن في المقبرة الجديدة في جوار سيدي أبي القاسم التواتي.

    وفي أواخر العام السابع والسبعين بعد تسعمائة توفي هو ودفن في المقبرة القديمة رحمهم الله تعالى ورضي عنهم. فتنازع أهل الجامع الكبير في الفقيه كداد الفلاني والفقيه أحمد بن الإمام صديق. فاختار القاضي العاقب كداد فرتبه إماماً فيه. وهو فاضل من عباد الله الصالحين فمكث في الإمامة اثني عشر سنة.

    فتولاها بعد موته الإمام أحمد بن الإمام صديق بأمر القاضي العاقب ومكث فيها خمسة عشر سنة وتسعة أشهر وثمانية أيام، عشر سنين في دولة أهلا سغي، وهو آخر أئمة الجامع الكبير في دولتهم، وخمس سنين في دولة السلطان الهاشمي أبي العباس مولانا أحمد. وسيأتي تاريخ ولايتهما وتاريخ وفاتهما عند ذكر الوفيات والتواريخ في العام الحادي والعشرين بعد ألف.

    وأما مسجد سنكري فقد بناها امرأة واحدة أغلالية ذات مال كثيرة في أفعال البر ما رويناه في الخبر، ولكن لم نجد لبنائها تاريخاً. فتولى إمامتها كثير من الأشياخ رحمهم الله تعالى وغفر لهم. أما الذين عرفنا تربيبهم فالولي الصالح أبو البركات الفقيه محمود بن عمر بن محمد أقيت تولاها على إذن الفقيه القاضي حبيب ثم ابن خاله الإمام أند غمحمد بن افقيه المختار النحوي. سلم له فيها لما ضعفت أعضاؤه المباركة من الكبر.

    وبعد ما توفي الإمام أند غمحمد. أمر الفقيه القاضي محمد بن الفقيه محمود أن يتولاها ابنه الفقيه محمد، فاعتذر بسلس البول، فكلفه بالبينة عليه، فشهد له به الفقيه العاقب بن الفقيه العاقب بن الفقيه محمود. فأقاله القاضي محمد، وكلف شاهده بها، فتولاها. وبعد موت أخيه القاضي محمد كلفه الأمير أسكيا داوود بحمل القضاء فجمع بين المرتبتين إلى أن توفي. ولم ينتنب على الصلاة قط، إلا في مرض موته أمر ابن أخيه الفقيه الزاهد محمد الأمين بن القاضي محمد أن يصلى بالناس. فأبت أمه نانا حفصة بنت الحاج أحمد بن عمر، وبقي المسجد خالياً من صلاة الجماعة أياماً. ثم أمره العلامة الفقيه محمد بغيع أن يستناب من يصلي بالناس. فقال: ألا أن تكون أنت إياه؟ فقال له: لا يمكن ذلك لتعلق حق المسجد الأخرى.

    ثم اتفقت الجماعة على ابن أخيه الفقيه أبي بكر بن أحمد بير، فقدموه كرهاً فصلى بالناس الظهر والعصر والمغرب والعشاء، فخرج من البلد هارباً ليلتئذ إلى قرية تنبهور. فتوفي بعده.

    وقدمت الجماعة أخاه ولي الله تعالى الفقيه عبد الرحمن بن الفقيه محمود فكان راتباً فيها. ويتكلف وهو في غاية من المرض، ولم يستنب ولو مرة واحدة إلى أن قبضهم محمود بن زرقون.

    فتولى بعده الفقيه محمد بن محد كري إلى أن توفي. فصلى بالناس القاضي سيد أحمد مدة قليلة. ثم ولاها ابنه الفقيه محمد. ثم تولاها بعد موته الفقيه سنتاعو بن الهادي الوداني عن إذن القاضي عبد الرحمن بن أحمد معيا وهو الذي فيها الآن.

    الباب الثاني عشر

    ذكر الظالم الأبر سن علي

    أما الظالم الأكبر والفاجر الأشهر سن علي برفع السين المهملة وكسر النون المشددة، كذا وجته مضبوطاً في ذيل الديباج للعلامة الفقيه أحمد بابا رحمه الله تعالى. فإنه كان ذا قوة عظيمة ومتنة جسيمة ظالماً فاسقاً متعدياً متسلطاً سفاكاً للدماء، قتل من الخلق ما لا يحصيه إلا الله تعالى، وتسلط على العلماء والصالحين بالقتل والإهانة ولإذلال.

    قال العلامة الحافظ العلقمي رحمه الله تعالى في شرح الجامع الصغير للجلال السيوطي عند ذكر حوادث القرن التاسع: سمعنا أن رجلاً ظهر بالتكرور يقال له سُنِّ علي أهلهك العباد والبلاد، ودخل في السلطنة سنة تسع وستين وثمانمائة.

    وروي عن أبي البركات ولي الله تعالى الفقيه القاضي محمود بن عمر بن محمد أقيت أنه سبق مولده ولايته بسنة. نعم وقد رأيت في كتاب الذيل أنه ولد رحمه الله تعالى سنة ثمان وستين وثمانمائة وتوفي في سنة خمس وخمسين وتسعمائة ليلة الجمعة سادس عشر رمضان انتهى.

    ومكث في السلطنة إما سبعاً وعشرين أو ثمانياً وعشرين سنة. فاشتغل بالغروات وفتح البلادات، وأخذ جني وأقام فيها سنة وشهراً، وفتح جنج وأباح لدرمكي الدخول راكباً وغرفاً فوق غرف، وكلاهما ليس لأحد إلا لأمير سغي وحده. وفتح بر وأرض صنهاجة نونو، وأميرهم يومئذ الملكة بيكن كاب. وفتح تنبكت والجبال كلها إلا دُم فامتنعت له. وفتح أرض كنت، وعزم إلى أرض برك فلم يقدر ذلك له. وكان آخر غزواته أرض كُرم.

    ولما تولى السلطنة كتب له تنبكت كي الشيخ محد نض كتابه بالسلام والدعاء، وطلب منه أن لا يخرج باله معه لأنه من جملة عياله. ولما توفي وتولى أبنه عمر كتب له بعكس ما كتب أبوه، وقال له في كتابه أن الوالد ما ذهب معه إلى دار الآخرة إلا بشقتين كتاناً فقط، وجميع القوة متوافرة عنده، ومن تعرض له يرا ما معه من تلك القوة.

    فقال سن علي لأصحابه شتان ما بين عقل هذا الفتى وبين عقل أبيه، والذي بين كلامهما من التفاوة هو الذي بيّن عقولهما. وفي سنة ثلاث وسبعين وثمانمائة دخل في تنبكت في رابع رجب الفرد أو خامسه، وهي رابع سنة أو خامس سنة من دخوله في السلطنة. عمل فيها فساداً عظيماً جسيماً كبيراً فحرقها وكسرها وقتل فيها خلقاً كثيراً. ولما سمع أكِل بمجيئه أحضر ألف جمال، رحل فقهاء سنكري ومشى بهم إلى بير. فقال إن شأنهم هو الأهم عليه. ومشى فيهم الفقيه عمر بن محمد أقيت وأولاده الثلاثة المباركون: الفقيه عبد الله والفقيه أحمد وهو أكبرهم والفقيه محمود وهو أضغرهم سنا،ً وهو ابن خمس سنين يومئذ لا يقدر على الركوب ولا يقدر على المشي على رجله إلا يحمل على الرقبة حدُّ مكنكي، هو حامله حتى وصلوا، وهو عبد لهم. ومشى فيهم خالهم الفقيه المختار النحوي بن الفقيه أند غمحمد، وأدرك الإمام الزموري رحمه الله تعالى في بير، فأجازه كتاب الشفاء للقاضي عياض رحمه الله تعالى. ويوم الرحيل ترى رجلاً كبيراً بلحيته إذا أراد أن يركب الإبل يبقى يرتعد خوفاً منه، وإذا ركب طاح على الأرض عند قيامه، لأن الأسلاف الصالحين أمسكوا أولادهم في حجورهم حتى كبروا، ولا يعرفون شيئاً من أمور الدنيا لعدم لعبهم في حال صغرهم، لأن اللعب حينئذ يكيس الإنسان، ويبصر في كثير من الأشياء. فندموا عند ذلك، وبعد ما رجعوا لتنبكت خلوا بينهم وبين اللعب، وأطلقوهم من ذلك الإمساك.

    فاشتغل الظالم الفاسق يقتل من بقي منهم في تنبكت وإهانتهم، وزعم أنهم أحباء التوارق وخاصتهم، فأبغضهم لذلك. فسجن والدة الفقيه محمود سِت بنت أند غمحمد، وقتل أخويها الفقيه محمود والفقيه أحمد أبي الفقيه أند غخمحمد. وجعل يتبعهم إذاية بعد إذاية وإهانة بعد إهانة والعياذ بالله. وأمر يوماً بإتيان ثلاثين من بناتهم الأبكار لتخذهن جواريات، وهو في مرسى كبر وأمر أن لا يأتين إلا على أرجلهن. فخرجن وما برزن من الخدور قط، وخدامه معهن يسوقهن حتى وصلن موضعاً عجزن عن المشي بالكلية. فبعث له بخبرهن فأمر بقتلهن، فقتنو جميعاً، والعياذ بالله. والموضع في قرب أمظع من جهة المغرب يقال لها فناء قدر الأبكار.

    وبعد رحيل الفقهاء إلى بير قلد القضاء الفقيه القاضي حبيب حفيد السيد عبد الرحمن التميمي، وبالغ في تعظيم ابن عمه المأمون والد عماراد المأمون، حتى لا يقول له إلا أبي. وبعد موته، حين شرع الناس في ذكر مساوئه، يقول المأمون لا أقول في سن علي سوء إلا أنه أحسن إلي ولم يعمل في سوءاً كما عمله في الناس، لا يذكره بحسن ولا قبيح. فعظم قدره عند أبي البركات الفقيه محمود بذلك، لأجل عدالته.

    ولم يزل يقتل فيهم ويذلهم إلى العام الخامس والسبعين والثمانمائة خرج من بقي من أهل سنكري هاربين إلى بير أيضاً. فجعل تنبكت كي المختار محمد بن نض في أثرهم فوصلهم في تعدِت، فتقاتلوا ومات في ذلك خيارهم. وهي الوقعة المعروفة بها. ثم التفت إلى أولاد القاضي الحي الذين في الفع كُنك فعاملهم بالإهانة والإذلال، فهرب كثير منهم وتوجهوا إلى تِكدة. وذكر أنهم ما توجهوا إلى تلك الناحية إلا ليستغاثوا بالتوارق ويأتوا بهم لأجل الانتقام منه، فعمل السيف فيمن بقي هنالك وقتل منهم كثير، وسجن فيها رجالاً ونساء، والعياذ بالله. وقيل من أجل ذلك لا يصب المطر في ذلك المكان صباً نافعاً إلى الآن.

    وهرب من خيارهم ثلاثون رجلاً فتوجهوا إلى جهة المغرب، وهم في ذلك الهروب إلى يوم واحد وصلوا بلد شير، فنزلوا هنالك تحت شجرة قائلين صواماً. فناموا، ثم انتبه واحد منهم فقال: رأيت في نومي هذا كأنا جميعاً مفطرون الليلة في الجنة. ولم يتم كلامه فإذا رسل الظالم الفاجر راكبين على خيلهم، فقتلوهم جميعاً، والعياذ بالله، رحمهم الله تعالى ورضي عنهم أحمعين.

    وأوقف الفقيه إبراهيم صاحب الفع كنك بن أبي بكر ابن القاضي الحي يوماً واحداً في الشمس في ذلك الموضع إهانة له وتعذيباً، فرأى والده أبا بكر المذكور في المنام، ويضربه بعكازه ضرباً وجيعاً يقول: شتت الله أولادك كما شتت أولادي فاستجاب الله تلك الدعاء فيه.

    أما الذين هربوا منه في الفع كنك إلى تكدة فبقوا هنالك ساكنين متوطنين.

    ومع هذه الإساءة كلها التي يفعل بالعلماء يقر بفضلهم ويقول: لو لا العلماء لا تحلو الدنيا ولا تطيب. ويفعل الإحسان في أخرين ويحترمهم. ولما غار على الفلانيين من قبيلة سنفتير بعث كثيراً من نسائهم لكبراء تنبكت وبعض العلماء والصالحين هدياً لهم، وأمرهم أن يتخذوهم جواري. فمن لا يرعى أمر دينه اتخذها كذلك، ومن يرعى أمر دينه تزوج منهم. جد جدتي أم والدي السيد الفاضل الخير الزاهد الإمام عبد الله البلبالي تزوج التي بعثها له، واسمها عائشة الفلانية. وولد منها نانا بير تورام أم والدي وأدرك الوالد هذه العجوز قد كبرت جداً وعميت.

    ومن أخلاق هذا الظالم الفاسق التلاعب بدينه يترك خمس صلوات إلى الليل أو إلى الغد ثم يؤمي قاعداً مراراً متكررة ذاكراً أسماءهم، ثم يسلم تسليمة واحدة ويقول انتنّ تعرف بعضكن بعضاً فاقتسمن. ومن أخلاقه أن يأمر يقتل إنسان ولو كان أعز الناس عنده بلا سبب ولا موجب، ثم يندم على بعضهم. وخدامه الذين يعرفون أخلاقه إذا كان الأمور بالقتل ممن سيندم عليه أدخروه وأحفظوه، ومتى أظهر الندامة قالوا له قد حفظناه لك ولم يمت، فيفرح ساعتئذ، كما فعل ذلك بخديمه أسكي محمد، غير ما مرة كم أمر عليه بقتله، وكم أمر عليه بحبس. وهو يعكس عليه في بعض الأحيان لقوة قلبه وشدة جرأته التي جعل الله ذلك فيه جبلة وطبيعة. ومتى نزلت به شدة منه جاءت أمه كاسي إلى نانا تنت ابنة الفقيه أبي بكر بن القاضي الحي في تنبكت تطلب له الدعاء عندها أن ينصره الله تعالى على سن علي، إذا تقبل الله هذه الدعاء يفرحكم في أولادكم وأقاربكم إن شاء الله. فوفي بالوعد عند ولايته.

    وأما أخوه عمر كمزاغ فهو يطيعه غاية لأنه كان عاقلاً لبيباً، وما تعرض له الظالم بالسوء قط. وكما فعل ذلك أيضاً بكاتبه إبراهيم الخضر، وهو فاسي جاء لتنبك وسكن فيه في حومة الجامع الكبير على جهة اليمين مائلاً إلى جهة المغرب قليلاً، فرتبه كاتباً. أمر يوماً بقتله وأكل جميع أمواله، فنفذ أمره. ولكن أدخره الخدام إلى يوم واحد جاءه كتاب الرسالة ولم يكن عنده قارئ، فقال: إن كان إبراهيم كبير البطن حياً لم نتوحل في هذا الكتاب. فقالوا له: هو حي أدخرناه، فأمر بإحضاره فقرأ الكتاب. ورده في خطته وأعطاه ضعف ما ضاع له من المال، ولم يجد السكون والهناء إلا في مدة أسكيا محمد، فأبقاه في مقامه عزيزاً مكرماً إلى أن توفي. فخلفه في ذلك المقام ابنه حوي، ولكن رجع كاتباً لناظر أسكيا في تنبكت في رترة عظيمة وقدر مكين.

    ودخل في كبر سنة اثنين وثمانين وثمانمائة، وهي السنة التي دخل موش في مام. وكان سن علي في تسك سنة أربع وثمانين وثمانمائة. وفي هذه السنة ولد أيد حامد ابن أخت الفع محمود، وفيها صام هو رحمه الله. قال عن نفسه: سِنه الله أعلم سبعة عشر عاماً. وخرج من كُبُر سنة خمس وثمانين وثمانمائة.

    وفيها دخل موش في بير في جمادي الأولى وخرج منه في جمادي الثانية، حاصرهم شهراً فطلب منهم الزوجة، فزوجه ابنة السيد الفاضل أند نض، فبقيت عنده إلى دولة أسكيا [أند نض بن علي بن أبي بكر] الحاج محمد فاستخلصها من أيديهم بعد ما حارب موش وخربهم، فزوجها وبعد الحصران. قاتل موش مع أهل بير فغلبهم وسبا عيالهم، وذهبوا فتبعهم أهل بير وقاتلوهم وأنقذوا العيال منهم. وعمر بن محمد نض هنالك يومئذ، وهو أشدهم نجدة وشجاعة في المقاتلة، وهو أول من بلغ موش كي وضايق عليه حتى سلم في العيال.

    وفي هذه السنة خرج الفع محمود من بير في شهر شعبان ورجع إلى نتبكت. وذكر رحمه الله تعالى أنه فرأ رسالة ابن أبي زيد على يد حامد حتى بلغ ركعتي الفجر، فجاء موش وقرأ منه شيئاً على أحمد بن عثمان، ونسي من ختمها عليه. ثم بدأ قرأة التهذيب على أخيه. ورجع أيضاً إلى تنبكت خاله الفقيه المختار النحوي. وأما والده الفقيه عمر بن محمد أقيت فقد توفي هنالك.

    ولما سكن في تنبكت بعد ذهاب دولة الظالم كتب لأخيه الفقيه عبد الله وهو في تازخت قرية في قرب بير، فأمره أن يأتي لتنبكت. فكتب إليه أنه لا يأتيها لأن أهل سنكري قاطعون الأرحام وظئر الأولاد، تفرقون بين أربابهم بالنميمة، وأيضاً لا يسكن حيث كان ذرية سن علي، وإذا كان راحلاً إليها ولا بد لا يسكن إلا في حومة الجامع الكبير في جوار السلطان الوجلي والد عمر بير، لأن أخلاقه حسنة ورضي عنه حين تجاورا في تازخت. وبقي هنالك إلى أن توفي رحمه الله وأعاد علينا من بركاته.

    فلازم أبو البركات الفقيه محمود حين سكن تنبكت القاضي حبيب في أخذ العلم إلى أن توفي. فهو شيخه ووصاه أن يكون قاضياً بعده، وأن لا يغشى أبناء الدنيا في مساكنهم، وما ذلك إلا لأجل رفع الضرر عن الضعفاء والمساكين، وأنه رأى هذا الذي يترتب فيها. فامتثل وصيته رحمهما الله تعالى ونفعنا بهما في الدارين.

    ثم شرع في حفر بحر رأس الماء للوصول إلى بير في البحر، وهو يشتغل بذ1لك بالجد والاجتهاد في قوة عظيمة. فإذا الخبر جاءه أن موش كي عازم إليه في جيشه بغزو، وأدركه الخبر في الموضع الذي يقال له شي فنس، فانتهى فيه. وكفى الله تعالى أهل بير شره. فرجع لملاقات موش كي، فالتقى معه في جنكي تُعي قرية في قرب بلد كب من وراء البحر، فاقتتلوا هنالك، فهزمه سن علي، وهرب وتبعه حتى دخل في حد أرضه، وذلك في سنة ثمان ونمانين ونمانمائة.

    ثم رجع ونزل في دير. ثم نهض منه لفتح الجبال كما مر. ثم غزا كُرم، فغلبهم وخربهم، وهي آخر غزوته. وأصلح السور الذي في كبر المسمى تل حين. خرج من بِتر سنة تسعين وثمانمائة.

    وفيها شرق الحاج أحمد بن عمر ابن محمد أقيت للحج، ورجع في فتنة الخارجي سن، علي على ما قاله العلامة أحمد بابا في الذيل، وفي سنة إحدى وتسعين وثمانمائة. وفيها أُخذ تنبكت كي المختار ابن محمد نض وسجنه. وفي سنة إحدى وتسعين. ذكر اسم سن علي في عرفة والفقيه عبد الجبار كك حاضر سنة اثنين وتسعين وثمانمائة، فدعوا الله تعالى عليه. فدخل في نقصان حتى ذهب دولته.

    وكان تُسُكُ في سنة ثلاث وتسعين وثمانمائة. وفي هذه السنة دخل أهل تنبكت في هًوكي ومكثوا فيها خمس سنين، منهم ولي الله تعالى سيدي أبو القاسم التواتي وأبو البركات الفقيه محمود وأخوه الحاج أحمد وغيرهم رحمهم الله تعالى. ومات مودب زنكاس سنة أربع وتسعين وثمانمائة.

    وفي سنة ثمان وتسعين وثمانمائة توفي سن علي بن سن محمد داعوا، راجعاً من غزوة كُرم بعد ما حارب الزغمانيين والفلانيين. وقاتلهم ولما وصل بلاد كرم في رجوعه انطلق عليه سيل هنالك في الطريق يسمى كُن، وأهلكه بقدرة القادر المقتدر في خامس عشر من المحرم الحرام فاتح عام الثامن والتسعين والثمانمائة من الهدرة. فشق أولاده بطنه وأخرجوا أحشاءه وملئوه عسلاً لئلا ينتن على زعمهم. جعل الله تعالى ذلك مجازاة لما كان يفعل بالناس في حياته أيام تجبره. فنزل عسكره في بعنيي.

    الباب الثالث عشر

    ذكر أمي المؤمنين أسكيا الحاج محمد بن أبي بكر

    فتولى ابنه أبو بكر دوعو السلطنة في بلد دَنغ. وكان الأسعد الأرشد محمد بن أبي بكر الطوري، وقيل السلنكي، من كبار قياد سن علي. فلما بلغه ذلك الخبر أضمر في نفسه الخلافة وتحيل في ذلك بأمور كثيرة. فلما فرغ من إبرام حبل تلك الحيل توجه إليه فيمن كان معه من خواصه فغار عليه في البلد المذكور في ثاني ليلة من جمادي الأولى في العام المذكور. فانهزم جيشه وولّى هارباً حتى وصل قرية يقال لها أنكُع، وهو بقرب كاغ. فوقف هنالك حتى جمع عليه جيشه. ثم التقى معه فيها يوم الاثنين رابع عشر من جمادي الأخرى، فجرى بينهما حرب شديد وقتال عظيم ومعركة هائلة حتى كادوا يتفانون. ثم نصر الله تعالى الأسعد الأشد محمد ابن أبي بكر، وهرب سن أبو بكر داعو إلى أين، فبقي هنالك إلى أن توفي.

    فتملك الأسعد الأرشد يومئذ، فكان أمير المؤمنين وخليفة المسلمين. ولما بلغ الخبر بنات سن علي قالت أسكيا، معناه في كلامهم لا يكون إياه. فلما سمعه أمر أن لا يلقب إلا به، فقالوا أسكيا محمد.

    ففرج الله تعالى به عن المسلمين الكروب وأزال به عنهم البلاء والخطوب. واجتهد بإقامة ملة الإسلام وإصلاح أمور الأنام، وصاحب العلماء واستفتاهم فيما يلزمه من أمر الحل والعقد، وميز الخلق، بعد ما كان الكل في أيام الخارجي جندياً، بين الرعية والجند. وبعث في الفور للخطيب عمر أن يطلق المسجون المختار بن محمد مض يأتيه ليرده في مقامه، فأخبر أنه مات، وقيل أنه بادر بقتله ساعتئذ. ثم بعث إلى بير لأخيه الأكبر عمر، فجاء فرده في مقامه تنبكت كي. وفي آخر تسع وتسعين وثمانمائة أخذ زاغ على يد أخيه كرمن فاري عمر كمزاغ، وقاتل بكرمغ.

    وفي السنة الثانية من القرن العاشر مشى إلى الحج في شهر الصفر والله أعلم، فحج بيت الله الحرام مع جماعة من أعيان كل قبيلة، وفيهم ولي الله تعالى مور صالح جور رحمه الله تعالى ونفعنا ببركاته في الدارين، وعكري الأصل بلده توتا الله الذي في أرض تندرم. رأى الأمير بركته في ذلك الطريق لما هبت عليهم السموم بين مكة ومصر، نشف جميع ما معهم من الماء حتى كادوا أن يموتوا من الحر والعطش، بعث إليه فطلب منه أن يتوسل إلى الله تعالى في السقي لهم بحرمة النبي محمد صلى الله عليه وسلم. فزجر المرسول أشد الزجر وقال: حرمته أعظم من أن يتوسل بها في حاجة دنيوية. ثم دعى الله تعالى فسقاهم في الساعة بغيث جاء على وفق المراد.

    والكجندي الذين ذهب بهم معه ألف وخمسمائة رجال، خمسمائة فرساناً، وألف رجلي، منهم ابنه أسكيا موسى وهُك كُرى كرى علي فلن وغيرهم. وأما المال فثلاثمائة ألف ذهباً الذي أخذه عند الخطيب عمر من مال سن علي الذي تحت يده. وأما الذي في داره هو فقد غبر ولم ير منه شيئاً.

    فحج وزار، وحج معه من كتب الله ذلك له من أولئك الجماعة في آخر تلك السنة، وبالغ السيد المبارك مور صالح جور في الدعاء لأخيه عمر كمزاغ الذي خلفه على ملكه غاية ونهاية، لأنه يحبه وينفعه ويكرمه غاية الإكرام.

    فتصدق الأمير في الحرمين من ذلك المال بمائة ألف ذهباً، واشترى جناناً في المدينة المشرفة وحبسها على أهل التكرور، وهي معروفة هنالك. واتفق بمائة ألف واشترى السلع وجميع ما يحتاج إليه بمائة ألف.

    ولقي في ذلك الأرض المبارك الشريف العباسي، فطلب منه أن يجعله خليفته في أرض سغي، فرضي له بذلك وأمره أن يسلم في أمرته التي هو فيها ثلاثة أيام ويأتيه في اليوم الرابع. ففعل، وجعله خليفته، وجعل على رأسه قلنسوة وعمامة من عنده، فكان خليفة صحيحاً في الإسلام. ثم لقي كثيراً من العلماء والصالحين، منهم الجلال السيوطي رحمه الله تعالى، وسألهم عن أشياء من أموره، فأفتوه فيها، وطلب منهم الدعاء، فنال بركاتهم كثيراً.

    ورجع في السنة الثالثة ودخل في كاغ في ذي الحجة مكمل السنة، فأصلح الله تعالى ملكه ونصره نصراً عزيزاً وفتح له فتحاً مبيناً، فملك من أرض كنت إلى البحر المالح في المغرب وأحوازهما، ومن حد أرض بِندك إلى تغز وأحوازهما. فطوّع الجميع بالسيف والقهر، كما يأتي عند ذكر عزواته. وكمل الله له مراده في الجميع. فكيفما ينفذ حكمه في دار سلطنته، كذلك ينفذ في جميع مملكته طولاً وعرضاً مع العافية الباسطة والرزق الواسعة. فسبحن من يخص من شاء بما شاء، وهو ذو الفضل العظيم.

    وفي السنة الرابعة غزا غزوة نعسر، وهو سلطان موش. ومشى معه السيد المبارك مور صالح جور، فأمره أن يجعلها جهاداً في سبيل الله. فلم يخالفه في ذلك. وبيّن جميع أحكام الجهاد، فطلب أمير المؤمنين أسكيا الحاج محمد من السيد المذكور أن يكون مرسولاً بينه وبين سلطان موش. فقبل ووصل إليه في بلده وبلغه رسالة أسكيا في الدخول في الإسلام. فقال له حتى يشاور آبائه الذين في الآخرة، فمشى إلى بين صنمهم مع وزرائه، ومشى هو معهم لينظر كيف يشاور الأموات. فعملوا ما يعملون من عوائدهم في صدقاتهم، فظهر لهم شيخ كبير فلما رأوه سجدوا له، وأخبره الخبر. فتكلم لهم بلسانهم وقال: لا أقبل لكم ذلك أبداً، بل تقاتلونه حتى تفنوا عن آخركم أو يفنوا عن آخرهم. فقال نعسر للسيد المبارك: ارجع إليه وقل له ما بيننا وبينه إلا الحرب والقتال. ثم قال لذلك الشخص الذي ظهر في صورة الشيخ بعد ما خرج الناس من ذلك البيت: سألتك بالله العظيم من أنت؟ فقال: أنا إبليس أغويهم لكي يموتوا على الكفر.

    فرجع إلى الأمير أسكيا الحاج محمد وأخبره بجميع ما جرى. فقال عليك الآن بالقتال فيهم فقاتلهم وقتل رجالهم وخرب أرضهم وديارهم وسبا ذراريهم. فكل من أتى في هذه السبي من رجال ونساء صاروا مباركين. ولم يكن في هذا الإقليم جهاد في سيبيل الله إلا هذه الغزوة وحدها.

    وفي هذه السنة توفي القاضي حبيب رحمه الله. وتولى القضاء شيخ الإسلام أبا البركات فضاء تنبكت وأحوازها. وحدثني من أثق به من الإخوان أنه حدثه شيخ المسلمين الفقيه محمد بن أحمد بغيع الونكري حفظه الله تعالى أن الفقيه أبا بكر بن القاضي الحي هو الذي دل الأمير أسكيا الحاج محمد على الفقيه محمود أن يوليه القضاء، فقال له أن هذا الفتى رجل مبارك صالح فولاه إياها انتهى كلام الشيخ الونكري.

    وخاله الفقيه المختار النحوي غائب حينئذ. فلما رجع من الغيبة لام الفقيه أبا بكر أشد الملامة فقال له: لم تدله على أبي [ابن أخي]؟ أليس لك ابن هو أهل للقضاء؟ فهلَا دلّلته عليه؟ وعمر أبي البركات يومئذ خمس وثلاثون سنة، ومكث في القضاء خمس وخمسون سنة، وتوفي عن تسعين سنة رحمه الله تعالى.

    وأدركته القضاء في إمامة جامع سنكري، ثم إنه سلم منها في آخر عمره، وولاها ابن خاله الفقيه الإمام أند غمحمد ابن المحتار النحوي. ولم يقم بين يدي الناس بعد للصلاة إلا في وفاة ولي الله تعالى سيدي أبي القاسم التواتي فصلى عليه، وإلا في وفاة فياض الغدامسي فصلى عليه رحمه الله تعالى.

    ونزل الأمير في توي في رجوعه من غزوة نعسر في رمضان. وفي الخامسة مشى إلى تندرم، وأخذ باغن فاري عثمان، وقتل دنب دنب الفلاني. وفي السادسة غزا إلى أير وأخرج تلظ في سلكنته. وفي السابعة بعث أخاه عمر كمزاغ إلى زلن ليقاتل قام فتي قلي قائد سلطان ملي الذي على البلد، فامتنع منه وما نال منه نيلاً، فأرسل الخبر للأمير أسكيا ونزل محلته في تنفرن بلد في قرب زلن في جهة المشرق، وفيه ولد أبنه عثمان فلقب بتنفرن. فجاء الأمير بنفسه فقاتله وغلبه وخرب البلد ورفع دار سلطان ملي وسبا أهله. وفي هذا السبي جاءت مريم داب والدة ابنه إسماعيل. فتأخر هنالك حتى أصلح البلد ووصعه على غير وضعه الأول، ثم رجع. وأما أهل جني فبولايته دخلوا في ملكه طائعين.

    ولم يغز في الثامنة والتاسهة والعاشرة. وفي أول الحادي عشر غزا غزوة برك، ويقال له بربو أيضاً. وفيها نهبت جاريته زاركن بنكي وانلدة ابنه موسى أسكيا. ومات كثير من خيار أيبر بند وعغاريتهم [عقاريهم؟] في المعركة بينهما حتى بكا أخوه عمر كمزاغ. وقال له: أفنيت سغي. فقال: بل عمرت سغي، هولاء القوم الذين رأيتهم أيطيب لنا العيش في سغي وهم معنا فيه؟ ولا يمكن أن نفعل بهم هذا الفعل لأيدينا ولذلك أتينا بهم في هذا الموضع ليتقكانوا فيه وترتاح منهم لهم عرفت فيهم من عدم الفرار للموت فحينئذ ذهب عن أخيه ما به من الغم والأسف وبهذا التاريخ ولد الفقيه محمد بن أبي البركات القاضي الفقيه محمود رحمهم الله تعالى.

    ولم يغز في الثاني عشر. وفي الثالثة عكشر غزا غزوة كلنبوت وهي مل. وفي الخامس عشر مشى إلى الحج شيخ الإسلام القاضي محمود بن عمر، واستخلف في الإمامة خاله الفقيه المختار النحوي، وفي القضاء القاضي عبد الرحمن ابن أبي بكر، بامر الأمير أسكيا الجاج محمد. ثم رجع من الحج في السادسة عشر في السابع والعشرين من شعبان. ولما وصل كاغ سمع به الأمير، وهو في كَبَر يومئذ المرسى المعروف، ركب في القارب وتوجه إلى كاغ للقائه، ولقيه هنالك.

    ثم جاز أبو البركات إلى تنبكت، فدخل داره بسلامة وعافية. فظن كثير من أهل تنبكت أنه يسلّم في تلك الإمامة لخاله المذكور، وفي ظهر يوم وصوله جاء إلى المسجد فصلى بالناس. وأما القاضي عبد الرحمن فبقي في تلك القضاء، ولم يتكلم له الفقيه محمود بشيء إلى عشر سنين. فأخبر الشيخ أحمد بِيُكُن الأمير أسكيا الحاج محمد بذلك، فأرسل مرسوله إلى تنبكت وأمر أن يخرج منها القاضي عبد الرحمن ويتولاها متوليها الفقيه القاضي محمود. فخرج هذا ويتولى هذا تزييل.

    وقع كلام وخصومة بين القاضي محمد بن أحمد بن القاضي عبد الرحمن وبين نفع تنبكت كي المصطفى كرى حفيد الشيخ أحمد بيكن، فشدد فيها القاضي محمد، فقال نفع: هذه عداوة من عهد أجدادنا حيث فطن جدي الشيخ أحمد الأمير أسكيا الجاج محمد عن عمل جدك القاضي عبد الرحمن، فعزله وهي التي عندك لنا.

    وفي السابعة عشر أرسل الأمير هك كري كي علي فلن وبلمع محمد كري إلى باغن فرن مع قُت كَيتا.

    وفي الثامن عشر غزا غزوة اللعين المتنبّي تينض، فقتله في زار. وقد أدرك الحال أن ابنه الكبير كَل غائباً في غزوة، فلما سمع ما جرى على والده اللعين هرب ما معه من الجند إلى فوت، وهو اسم أرض في قرب البحر المالح، لسلطان جلف، فسكن فيها فبقي يحتال في غدرة ذلك السلطان حتى تمكن منه فقتله. وانقسم إقليم جلف نصفين، نصفاً تملكه كَل ولد سلتي تينض، والنصف الآخر ملكه دمل، وهو أكبر قياد سلطان جلف.

    فصار فيها سلطاناً عظيماً ذا قوة متينة وسلطنتهم باقية كذلك فيها إلى الآن، وهم سودانيون. ولما توفي كل خلفه ولده يريم. ولما توفي خلفه أخوه كلايي تبار، وهو فاضل خيّر عدل قد بلغ الغاية القصوى في العدالة بحيث لم يعلم له نظير في ذلك في المغرب بأسرها إلا سلطان ملي كنكن موسى رحمهم الله تعالى. ولما توفي كلايي خلفه ابن أخيه كت ابن يريم. ولما توفي خلفه أخوه سنب لام، وقد حاول في العدالة نصيبه، فنهي عن الظلم ولا يقبله البتة، وأقام في السلطنة سبعاً وثلاثين سنة. ولما توفي خلفه ابنه أبو بكر وهو الذي فيها الآن.

    تنبيه تينض سلتي يا للب ونيم سلتي وررب ودك سلتي فرهي وكر سلتي ولرب خرجوا من قبيلة جلف في أرض ملي ونزلوا في أرض قياك. فلما قتل الأمير أسكيا الحاج محمد اللعين رحل الكل إلى فوت وسكنوا هنالك وهم فيها إلى الآن.

    وأما جلف فهم خيار من في الناس فعلاً وطبيعة، وطبائعهم تباين طبائع سائر الفلانيين في كل وجه، وخصهم الله تعالى بمحاسن الأخلاق ومكارم الأفعال ومحامد السير، وهم في تلك الناحية الآن بقوة عظيمة ومتنة جسيمة. أما النجدة والشجاعة فليس لهم نظير فيها، وأما العهد والوفاء فمنهم ابتدأت وإليهم انتهت في تلك الناحية على سمعنا.

    وفي آخر التاسعة عشر غزا غزوة كشن ورجع في الربيع الأول في العشرين سنة. وفي آخر الحادية والعشرين غزا غزوة العدالة سلطان أكدز، ورجع في الثانية ولاعشرين. وفي رجوعه خالف عليه كُت صاحب ليك الملقب بكَنت، وسببه أنه لما وصل بلده حين رجع معه من تلك الغزوة انتظر سهمه من تلك الغنيمة. فلما انقطعت رجاؤه منه سأل دند فاري عن سهمه. فقال له: إن طلبته لتغوّطت. فسكت. ثم جاءه أصحابه فقالوا له: أين سهامنا عن هذه الغنيمة، ما رأيناها إلى الآن إلا تسألها. فقال: سألتها، قال في دند فاري إن عدت سألتها لتغوّطت. ولا أتغوط وحدي وإن كتنم تتغوطون معي سألت. فقالوا: نتغوط جميعاً معك. فقال: بارك الله فيكم، هذا الذي أريد. فعاد إلى دند فاري فسأله فأبى. فخالفوا، وصار بينهم إلى قتال عظيم فامتنعوا وخرجوا من طاعة الأمير أسكيا الحاج محمد إلى انقراض دولة أهل سغي، فقام كنت بنفسه. وفي الثالثة والعشرين غزا إليهم فما نالوا منهم نيلاً.

    وفي الرابعة والعشرين أرسل أخاه كرمن فاري عمر إلى قام قتي فقتله. وفي الخامسة والعشرين نزل في كبر في الخامس عشر من رمضان. وفي السادسة والعشرين مات أخوه عمر كمزاغ في اليوم الثالث من الربيع الأول. فاحتجب ولي الله تعالى خور صالح جور عن الناس ثلاثة أيام. ثم خرج، فلما جلس في المدرسة قال للطلبة: ففي هذا اليوم ترك الولي بري عمر وعفي عنه. وهو يحب هذا السيد وينفعه ويكرمه غاية الإكرام.

    والأمير في سنكرِيَ يومئذ قرية وراء كوكي إلى جهة دند، وجعل أخاه يحيى كرمن فاري، وأقام فيها تسعة أعوام. فتوفي في فتنة فارمنذ موسى لما خرج باغياً عن والده الأمير أسكيا الحاج محمد.

    وفي الثانية والعشرين مات عمر بن أبي بكر سلطان تنبكت. وفي إحدى وثلاثين أرسل أخاه فرن يحيى إلى كرر، ومات هنالك بنك فرم علي يمر. فلما رجع بعث علي فلن إلى بنك لرفع تركة الهالك علي يمر، وطلب من الأمير أن يتولي ابنه بل فرم بنك فرم، وهو أدك فرم يومئذ، فأذن له. وهو معروف بين إخوته بالنجدة والشجاعة، ومن صغار أولاده. فلما سمع إخوانه الكبار ذلك غضبوا وحلفوا متى جاء كاغ يشقون طبله، وتلك الرئاسة مقام كبير في سلطنتهم، وصاحبه من أرباب الطبل. وبقي إخوانه يتكلمون في أمره بكلام الغار حساداً، إلا فارمنذ موسى وحده وهو أكبر منهم جميعاً.

    فسمع بل جمبع مقالاتهم فحلف هو على من أراد أن يشق طبله يشق هو دبر أمه. فجاء كاغ وطبله بين يديه يضرب حتى وصل موضعاً معروفاً بقرب المدينة، وهو حد الانقطاع ضرب جميع الطبل إلا طبل أسكيا وحده. فأمر طباله أن لا يمسك عن عمله إلى باب دار الأمير. فركب كبار الجيش الذين من عاداتهم أن يركبوا للقاء مثله، وفيهم إخوانه الذين وعدوا بشق طبله. فلما وصلهم نزل عن حصانه للسلام عليه كل من عادته أن ينزل لمثله، إلا فارمنذ موسى سلم عليه وهو على حصانه، وأحنى رأسه له قليلاً وقال له: ما تكلمت بشيء وقد عرفت إن تكلمت لا بد من وفاء كلامي. وما قدر أحد منهم أن يتعرض بسوء، فنعقدت العداوة بينه وبين إخوانه بهذا الطلوع، وبما فاق عليهم في كثير من المشاهد والمعارك بالجرأة.

    وقد أدرك الحال موسى يحيد عن الطريق لوالده الأمير غيظاً عليه، وعلى خديمه النصيح علي فلن مما كان بينهما من المساعدة والموافقة، وزعم أن الأمير لا يفعل شيئاً إلا بأمره.

    وقد عمي في أواخر دولته ولم يفطن أحد به لأجل قرب علي فلن منه وملازمته إياه. فجعل موسى يهدد عليه ويتوعده بالقتل، فخاف منه وهرب إلى تندرم عند كرمن فاري يحيى في السنة الرابعة والثلاثين.

    وفي الخامسة والثلاثين خالف عليه فارمنذ موسى فذهب إلى كوكيا مع بعض إخوانه. فأرسل الأمير لأخيه فرن يحيى في تندرم أن يجيء لتقويم أعوجاج هؤلاء الأطفال. فجاء وأمره أن يذهب إليهم في كوكيا ووكّد عليه أن لا يبلغ معهم التمريث. فوصلهم هنالك ولقوه بالقتال حتى جُرح وتمكن منه. فسقط على الأرض وخر على وجهه عرياناً، وجعل يتكلم بما سيكون فيهم من المحدثات، وداوود ابن الأمير واقف عند رأسه في تلك الحال مع أخيه إسماعيل ومحمد بنكن كري بن عمر كمزاغ. فأشار إلى صاحبيه بالبهتان والكذب. فقال في تلك الحال: مار بنكن كري، تصغير هذا اللفظ في لغتهم، أنت الذي تنسب إلى الكذب، وما ثم بعد لا تسمعه أبداً يا قطاعاً للرحم. وغطه إسماعيل بالثوب فقال وهو في تلك الحال: عرفت يا إسماعيل لا تفعله إلا أنت لأنك وصال للرحم. ثم توفي. فجعل الأمير ابنه عثمان يَوباب كرمن فاري وأرسله إلى تندرم.

    ثم رجع موسى وإخوته إلى كاغ. وفي آخر هذه السنة عزل الأمير والده يوم الأحد يوم عيد الأضحى قبل الصلاة، والأمير في المصلى. فحلف أن لا يصلي أحد حتى يتولي الأمرة. فسلّم له والده، فكان أميراً ساعئذ. فصلى الناس صلاة العيد. وبقي هو في داره وأسكيا الوالد في دار السلطنة، ولم يخرجه منها في حياته. ومكث الأمير أسكيا الحاج محمد في السلطنة ستة وثلاثين سنة وستة أشهر.

    الباب الرابع عشر

    ذكر أسكيا موسى وأسكيا محمد بنكن

    ثم دخل أسكيا موسى في قتل إخوته، فهرب كثير إلى تندرم عند كرمن فاري عثمان يوباب، منهم عثمان سيدي وبكر كِنِ كِرِنِ وإسماعيل وغيرهم. فاغتم لذلك وقال لمحدثيه: إن أخي عثمان عرفته ليس له أمر من نفسه، إنما يعمل بأمر جلسائه ولا يجالس إلا مع الأراذل والسفهاء، أخاف من الفتنة بيني وبينه.

    فبعث له مرسوله بكتابه وأعلمه بدخوله السلطنة، وأعطى المرسول كتاباً آخر لوالدته كمس، وذكر له متى لم يقبل الكتاب يبلغ الآخر حينئذ للوالدة المذكورة. وكتب لها فيه أنه دخل في حرمتها وفي حرمة أبيه أن يتكلم لعثمان لئلا يكون سبب الشر بينهما. فوصل المرسول إليه فلم يبال به ولم يلتفت إليه ولم يأخذ الكتاب.

    فبلغ الوالدة كتابها، فلما قرأته وعلمت ما فيه ذهبت إليه وكلمته وقالت له: رفعت لك ثدي إلا أن تجتنب مخالفة أخيك، وهو ليس لك بأخ بل أب، وهل عرفتَ سبب هذا اللقب الذي يسماك به اليوم الذي ولدتك؟ ما في بيتنا ما يسخن به الشراب لي، وقد خرج هو فتأخر عن الرجوع إلينا، فلما جاء قال له أبوك أين وقلتَ اليوم؟ والضيف هنما ينتظرك منذ أول اليوم. فأخذ حريشه ومشى إلى الغابة فاصطاد لنا ما سخن به الشراب لي، ولهذا قلت لك هو أبوك، وها هو حسبني، ودخل في حرمتي أن لا تكون سبب الشر بينك وبينه.

    فسمع لها وأطاع وأمر بإحضار المرسول فقام هو على رجله وسأل عن عافية أسكيا، وتلك عادتهم إذا كانوا مطيعين. فقرأ له الكتاب وعزم المضي إليه، وعمّر قواربه وأكمل أهبّته، فخرج للمسير مع جيشه. فمن قليل تغني مغنيه، فأغضبه كثيراً كاد أن يتميز من الغيظ، فقال لجماعته: انهبوا ما في القوارب، ورأسي ها لا يرفع التراب لأحد أبداً.

    فرجع لداره وخالف بالحقيقة التي لا شك فيها، فرجع المرسول إلى كاغ وأخبره بما جرى. فجهز للمسير إلى تندرم، وقامت الفتنة وتحققت الشر. فسار بالجيش بلما قرب إلى تنبكت تلقاه شيخ الإسلام أبو البركات القاضي الفقيه محمود بن عمر رحمه الله تعالى في بلد تِري لكي يصلح بينه وبين إخوته. فلما جلس عنده استدبر السيد ولم يقابله بوجهه. فقال له: لم تستدبر عني؟ قال:لا استقبل وجهاً خلع أمير المؤمنين من أمرته. فقال له: ما فعلت ذلك إلا خوفاً على نفسي وكم من سنين لا يعمل إلا بما أمر به علي فرن، خفت من أن يأمر علي يوماً بسوء.،ولهذا خلعته. فطلب منه العفو لإخوته ويجتنب الفتنة بينه وبينهم لما فيه من قطع الرحم والفساد في الأرض. فقال له: امهل واصبر حتى يحترقوا بالشمس فإذاً يسرعوا إلى الظل. فرفع له الغطاء عن الحرشان الكبار المسومات. فقال له هي الشمس وأنت هو الظل، ومتى تألموا يهرعون إليك، فاعفوا عنهم حينئذ. ولما رأى أنه صمم على الشر رجع إلى تنبكت.

    فنهض إليهم من ذلك المنزل ونزل توي. وسمع أن كرمن فاري عثما عزم على المجيء إليه للقتال، فظهر في وجهه الرعب والندامة، فقال له بلمع محمد كري: ومعه أخيك عثمان رجلان بكر كرن كرن والآخر نسيته، ولو كان في ألف رجل مع هذين أو أحدهما وأنت في عشرة آلاف رجل لغلبك، وإن كان الأمر بالعكس لغلبته.

    وما زالوا في ذلك المجلس حتى رأوا شخصاً في السراب مرة يظهر ومرة يغيب حتى دنا إليهم، فإذا بكر كرن كرن المذكور، فنزل ورجع له التراب. فقال: ما جاء بك؟ قال: ليس بمحبتك ولا بكره عثمان، إنما جئت هرباً من الخسارة ولا أكون مع القوم الخاسرين. فقال له: ولِم: قال: لأن القوم جميعاً أصحاب الرأي. ثم جاء الآخر فقال مثل ما قال الأول. ففرح أسكيا موسى ساعتئذ فرحاً عظيماً.

    ثم جاء عثمان فتقاتلا بين أككن وكبر في السادية والثلاثين. فمات بينهما خلق كثير، منهم عثمان سيدي وغيره، وهرب بإسماعيل إلى بير مغشرن كي زوج أخته كِبِن نكس ابن أخت أكِل، وبقي هنالك إلى زمن ولاية أسكيا محمد بنكن.

    وأما كرمن فاري عثمان فهرب وهرب معه علي فلن وبنك فرم كل وآخرون، وانتهى عثمان إلى تمن فأقام بها إلى أن توفي سنة أربع وستين وتسعمائة. وعلي فلن قد جاز إلى كنو وعزم على الحج ومجاورة المدينة المشرفة، فحال القدر بينه وبين ذلك، فتوفي في كنو.

    وأما بنك فرم بل فرجع إلى تنبكت واستحرم بأبي البركات القاضي الفقيه محمود، فبعث إليه وطلب الشفاعة له وهو في تِل. فقال جميع من دخل في داره فهو آمن إلا بل وحده، فرفع الكتب التي في حضرته على رأسه، وقال: دخلت في حرمة هؤلاء الكتب بعث بذلك إليه أيضاً. فأبى. فقال: بل لأبي البركات أشهد علي بأن جميع ما رأيت ما فعلتها إلا فراراً من أن لا أكون قاتل النفس، والآن يفعل ما بدا له. فذهب إليه بنفسه، فشوور، ودخل وصادف بابنه محمد بن أسكيا موسى واقف على رأسه، ويقول له: يا أبت لا تقتل أبي بنك فرم. فلما دنا منه تلقاه ابنه محمد المذكور يحييه. فقال له بَل يا بني ولا بد لي من الموت لأن ثم ثلاث خصال لا أفعلها أبداً: لا أقول له أسكيا، ولا أرفع التراب له على رأسي، ولا أركب وراءه. فأمر بقبضه، ثم قتله. قيل قتله في ألفع كنك مع ألفق دنك بن عمر كمزاغ، وهما ابنا عم وابنا خالة أمّاهما فلانيتان. أمر بحفر الحفرة حتى تعمقت جداً في ذلك المكان وجعلا فيها حيين وردما فماتا، والعياذ يبالله.

    ثم قتل درمكي دنكر وبركي سليمن وجعل محمد بنكن كري كرمن فاري. ثم رجع إلى سغي على طريق أرض جني. فلما بلغ تِرفي تلقاه ولي الله تعالى الفقيه مورمع كنكي مع الطلبة خرجوا من جنج، فسلم عليه ودعا له على عادتهم. ثم قال له الشيخ نطلب منك في حق الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم أن تعفو عن درمكي وبركي، وهما بارّان لأهل أرضهما راضين عنهما جداً، وما دخلا في الفتنة بغرضهما بل بالخوف على أنفسهما قهراً وجبراً ولا يقدران أن يتخلفا عن فرن عثمان. فقال له: قد جاوزا يدي وتفوتا. فقال له الشيخ: لا تفعل ذلك ولا ترد شفاعتي. قال: ولا بد. فلما أيأس الشيخ قال له: قد كنت ساكناً في بلد جنج من زمن سن علي، وما صبنا راحة وعافية ولا سكوناً إلا في ولاية أبيك الأسعد المبارك أمير المؤمنين أسكنا الحاج محمد، فكنا ندعو له بالنصر وطول العمر، ونسأل هل له ولد مبارك الذي فيه رجاء المسلمين؟ قيل لنا نعم فسميت لنا ومتى دعونا له ندعو لك بالخلافة بعده، فتقبل الله أدعيتنا، والآن إذا خيّبت سعينا ومنعت لنا بالحرمة ما زالت الأكفّ التي رفعنا إلى الله تعالى في الدعاء لك ترفعها إليه عليك. وقاموا ورجعوا.

    وفي العشية ارتحل أسكيا موسى. فخرج بن فرم إسحق ابن أسكيا الحاج محمد من مقامه حتى وصل كرمن فاري محمد بنكن، فجذبه عن ورائه في مقامه. فالتفت إليه وقال له: أيس الذي جراك على هذا العمل؟ فخرجت من مقامك إلى هنا وتجذبني من ورائه؟ فقال له: الغم من عمل هذا الشيخ الذي فعل بأسكيا وتطاوله عليه، وما صبر له إلا لخوف. فوالله إن كنت إياه ساعتئذ لقتلته، ولو كنت أخلد في النار.

    فلما نزلوا للمبيت جاء المتحدثون للمسر عند أسكيا على عادتهم، فحكى كرمن فاري له القصة بحالها التي صوّرت من بن فرم إسحق. فقال أسكيا: والله العظيم ما في جسمي شعرة واحدة خافت قط، ولكن إذا رأى ما رأيت حين أتكلم معه لمات من حينه خوفاً ورعباً. فقال لكرمن فاري: أما رأيت كفّيه الذين يرفعهما إلى كتفيه؟ قال: نعم. قال: يرد بهما أسدين على الكتفين رافعين يديهما إلي فارغين، شد فيهما، ما رأيت مثل عظمهما ولا مثل أنيابهما ومخالبهما، ولذلك أمرته أن يذهب إلى منزله، فرجعوا إلى جنج غاضبين عليه.

    فلما وصل كاغ شرع في قتل الباقين من إخوته فاغتموا من أمره ودخلوا في الاحتيال في ذلك إلى يوم واحد قبض فرن عبد الله ابن أسكيا الحاج محمد، فهو شقيق إسحق، فاتفق الباقون جميعاً على أنه إذا قتله يقومون عليه ويقتلونه، إلى يوم واحد نادا إسحق فوضع بين يديه عمامة وفميصة باليتين. فقال له: أخوك فرن عبد الله جبان ادخرناه في موضع فمات من الرعب.

    فخرج إسحق إلى عبد شاع فرم علوصاي بن الأمير أسكيا الحاج محمد وهو يبكي فأخبره. فقال: اسكت، هل أنت نساء؟ هذا آخر قتله فينا، ولا يقتل بعده أبدا.ً فاتفقوا وخالفوا عليه سراً حتى قتلوه في قرية منصور-وقتل هو فيها بلمع محمد كري، وخلفه بلمع محمد دند مي ابن أسكيا الحاد محمد على يد محمد بنكن-يوم الأربعاء الرابع ولاعشرين من شعبان عام السابع والثلاثين، ومدته في السلطنة يومئذ سنتان وثمانية أشهر وأربعة عشر يوماً. وشاع فرم علو المذكور هو الذي باشر القتل. فتولى السلطان الأسعد الجواد أسكيا محمد بنكن ابن عمر كمزاغ يوم موته بالتاريخ المذكور.

    وذلك أن إخوته لما اتفقوا على قتله ضمن ذلك لهم الأكبر منهم شاغ فرم علو فقال: أرميه بالحريش في الركوب، إن أخطأته فارموني بالحديد أنتم جميعاً لأموت وتسلّموا من شره. فرما وصادفه في كتفه الأيسر وهو يتحدث مع بركي ساعتئذ أمر بمجيئه إلى جنبه في الركوب. فالتفت بركي وراءً الحريش واقفاً في كتفه والدم يسيل. وهو ما التفت ولا جعل نفسه كأنه نزل عليه أدنى شيء لشدته وقوة قلبه. فهرب بركي.

    وأراد أن يقاتل معهم وما تمكن يده اليسرى من قبض العنان، فذهب إلى منزله وأخرج الحديد وكوّى الجرح وعصب العظم وبات تلك الليلة في الاستعداد للحرب والقتال مع إخوته غداً. ولم يكتحل بالنوم للغضب والغيظ، ويحلف ويكرره أن الدم يسيل غداً ويجري. فلما أصبح تحزم وخرج، وقامت المعركة بينه وبينهم، فتقاتلوا وغلبوه وهزموه. فهرب وتبعوه وقبضوه وقتلوه. فرجعوا ووجد شاع فرم كرمن فاري في مقام أسكي بين الأعواد، قد أمره أخوه عثمان تنفرن بذلك ليكون أسكيا. فأبى وامتنع وقال له: لا طاقة لنا بمقابلة هؤلاء القوم، يعني أولاد عمه.

    فحلف له إن لم يدخل فيه يدخل هو، ولو كان الصغير لا يكون على رأس الكبير. فدخل وقام مقام أسكيا. فلما رجع شاع فرم ورآه فيه من بعيد فقال: من هذا الذي بين الأعواد لا أكسر شجرة برأسي فيأكل أحد ثمارها.

    فاقترب عثمان تنفرن فقال لأخيه: اخرج بين أعواد أسكيا. وضرب رأسه بأعواد حرشانه، فخرج. ولما أراد أن يدخل في ذلك المكان رماه عثمان بالحريش من وراءه حتى تمكن منه، فخرج هارباً. ورجع محمد بنكن فيه، فبايعه الناس وثبت سلطاناً.

    فوصل شاع فرم في هروبه عند أصحابه المرسى وطلب منهم أن يكتووا له الجرح. فقبضه كومكي وقطع رأسه بالمنجل، وأتى به لأسكيا. فشكر عمله له ساعتئذ، وأمهل له مدة، ثم قتله. وقتل جماعة كثيرة معه من قومه.

    ورحّل عمه أسكيا الحاج محمد من دار السلطنة فدخل فيها، وبعث به إلى جزيرة كنكاك موضع بقرب المدينة في جهة المغرب، فسجنه فيها. وجعل أخاه عثمان كرمن فاري ومكث فيه ما مكث وهو في السلطنة. وبعث إلى بير في رد إسماعيل فجيئ به إلى سغي، لأنه صاحبه وحبيبه من حين الطفولية، فأحلفه المصحف أن لا يسعي في غدرته أبداً، وزوجه ابنته فت.

    وأمر بحضور بنات أسكيا الحاج محمد في ناديته متى جلس فيها كاشفات رؤوسهن. وتصيح عليه يان مار: فرخ نعامة واحد خير من مائة فروخ دجاجة دائماً. فقام تلك السلطنة أحسن قيام، فوسعها وزينها وأجملها بالرجال زيادة على ما كانوا قبل، وبالملابس الفاخرة وأنواع آلات الطرب، وبالقينين والقينات، وكثرة العطايا والمنائح. فنزلت البركات في أيامه، وانفتح فيها أبواب الأرزاق وانصبت، لأن أمير المؤمنين أسكيا الحاج محمد ما فتح صدره للدنيا خشية العين، وطالما ينهى أخاه فرن عمر عن ذلك، ويقول له: لا تعرض نفسك للهلاك بالعين.

    وأما أسكيا موسى من حين تولى ما صاب راحة ولو ساعة واحدة لأجل عداوة الأقرباء، وهي أكبر مصائب الدنيا، وهي عداوة أبدية لا تحول ولا تزول. وهو كل ساعة في مكابدة النفس وشغل الخاطر بالهمّ والغم والاحتراس. وأخذ الحذر حتى مضى لسبيله.

    والسلطان الأسعد مولع بالغزو والجهاد، وأكثر منها جداّ حتى بمل منه سغى وكرهوه. وغزا بنفسه إلى كنت، فاقتتل هو وكنت في ونترماس، اسم موضع. فهزمه كنت هزيمة فاحشة. فهرب مع عسكره وتبعوه حتى حصّلوهم في خضخاض، ما نجاهم إلا الله تعالى، ولم يقدر أن يجتازه بالحصان. فنزل واحتمله على عنقه هيكي بكر علي دود حتى قطع به المكان ورجع عنهم جيش كنت. وأما جيشه هو فتفرقوا شذر مذر.

    فأينما بات ليل يوم الهروب مد له بكر علي المذكور رجله وجعل رأسه عليه، وبقي يتحدث معه إلى أن قال: هذه الهزيمة الذي طرأت علي مع جميع هذه المشقات ما أشد علي غيظاً مما يقول أهل تنبكت ساعة وصلهم خبرنا، فيقول بعض المرجفين لبعض متى اجتمعوا وراء مسجد سنكري. فسمى منهم بوزداي وفلاناً وفلاناً، لأنه عارف بجميع أحوال البلد، وقد سكن في سنكري في نشأته للقراءة. هل سمعتم يا فتيان ما طرأ على مرنكن كري مع كنت؟ فيقول المستمعون: وما الذي طرأ عليه؟ فيقول المخبر: هزمه هزيمة كاد أن يموت ويموت جيشه كلهم. فيقولون: ما تغوط بعد الذي امتنع لأسكيا محمد، هو الذي غزا إليه. قال لهيكي بكر علي دود: هذه بقالاتهم كأني أنظر إليهم. ثم وصل كاغ، وما غزا أحد بعد إلى كنت من الأساكي.

    ثم غزا إلى كرم. فلما وصل مساكنهم بعث الطليعة ليطالعوا على الكفار ويأتوا بخبرهم. وهم قد سمعوا خبره فجهزوا لقتاله. جاء بير فرجع الطليعة وأخبروه بمجيئ الكفار. ثم بعث الطليعة ثانية فرجعونا بقرب وأخبروا بدنوهم. فبعث لدنكلك، وهو ربّ الطريق يومئذ، أن يوقفوا عصيهم. فوجده المرسول يلعب بالشطرنج السوداني، ولا رد باله معه لالتهائه بذلك اللعب، حتى اقترب الكفار جداّ.

    فركب أسكيا بنفسه إليه وهو يصيح أيش هذا الحال، والكفار قد دنوا إلينا، فما تكلم حتى أتم لعبه؟ فقام والتفت إليه وقال: أو لك يا هذا الجنان، لا تستحق أن تكون أميراً. فعمل ما عمل ساعتئذ من استعمالات الحرب، فانهزم الكفار وولوا مدبرين. قال له: ها هم وصلوك، افعل بهم ما أردت. فتبعهم الخيل وهم يقتلونهم إلى الغد. فخاف منه خوفاً عظيماً، فلما رجع إلى كاغ عن قليل جاء الخبر بموت كل شاغ. فقال لدنكلك: ما أراني الله إلا إياك لهذا المكان، فأنت كَل شاغ. فقال: ويحك ألم يبق لك مراد في الغزو؟ فقال: بلى ولكن ذكل الموضع من أوكد الموضع علينا، ولا نختار لها إلا أنت. قال: ولا بد. قال: لا بد. قال: على بركة الله، ولكن لا تجعل خليفتي إلا فلاناً. فأنعم له. فلما ولّى وبعد قال: اذهب أنت لا نبقيك فيها، ولا نجعل من ذكرت.

    ثم إن إسماعيل ذهب إلى عند أبيه في تلك الجزيرة ليلة واحدة ليسلم عليه. فلما جسل بين يديه قبض على ذراعه فقال له: سبحن الله، كان ذراعك هكذا تتركني الناموس يأكل والضفادع تنقزّ علي، وهي أكره شيء عنده! فقال له: لا جهد لي. قال: اذهب عند فلان، واحد من خصيانه، واقبض من جسده موضع كذا، وقل له إذا عرف هذه الأمارة بيني وبينه يعطيك الذي عنده من وديعتي، اقبضها منه واشتر به الرجال سراً وهي ذهب، واذهب عند سوم كتباك واطلب منه اأمانة، وهو من أحباء أسكيا محمد بنكن.

    فجاءه وطلب منه الأمانة. فقال له: قبح الله الحرية، ولو لاها ما تخرج عندي سالماً، ولكن متى نلت مرادك اقتلني تلك الساعة، ولا بد ولا بد. وقد عرف أسكيا الحاج محمد أن القصد عزيز عنده وعند أهل قبيلته أجمع، يبذلون فيها ولو أرواحهم، ما تكلم بعد بخير ولا بشر.

    وقد كان قبل ما خالف عليه هذه القبيلة حتى تمكنوا من البلد، وخرج هارباً هيكي بكر علي دود، هو الذي احتال له حتى تمكن منهم مع أناس قلال الذين معه، فقتلوهم قتلاً شديداً، ورجع للبلد في سلطنته.

    ثم جعل أهل سغي يتكلمون فيه، فيما بينهم لأجل مللهم منه. فلما سمع ذلك يارسنك دبي أخبره به، وهو بمن أحبائه وخاصته. فما صبر عنه حتى أخرجه لجماعته في ناديته كأنه لم يصح عنده. فقالوا له بأجمعهم: ما نقوم من هنا حتى تذكر لنا من يسعى بيننا وبينك بالنمبمة، أما أن تختار جماعتنا أو يختاره هو. فلم يجد بد إلا أن قال أنه يارسنك دبي. فقبضوه ونقشوه بالحمرة والسواد والبياض وركبوه حميراً وطوقوا به البلد بالنداء والبرحة: هذا جزاء من يسعى بالنميمة.

    ثم تجهز للغزو وخرج. فلما وصل قرية منصور الموضع الذي تولى فيه السلطنة نزل فيه وبعث دند فاري مار تمز غازياً مع الجيش، وذلك في شهر شوال أحد شهور العام الثالثة والأربعين. فقال له إن نجح سعيك فأنت دند فاري، وإلا فأنت مارتمز، يعني معزولاً. فقال: الله تعالى يصلحه بحرمة شهر الفطر هذا وشهر الراحة الذي بعده ونرتاح جميعاً إن شاء الله تعالى. فسار إلى ذلك الغزو واتبعه كثيراً من خواصه ليكونوا رقباء عليه لئلا يعذره. فشرع في تنفير الرجال بلطف الاحتيال حتى تمكن من تدبيره، فقبض جبيع خواصه، وكبلهم في الحديد.

    وعزله وهو في قرية منصور الذي تولى فيه السلطنة، ووافق باليوم الذي تولى في أيضاً، يوم الأربعاء ثاني شهر ذي القعدة الذي هو شهر الراحة عند أهل سغي في العام المذكور. ولما بلغه الخبر فقال: تكلم لي بهذا يومئذ، ولم أفهم إلا في هذا اليوم.

    الباب الخامس عشر

    ذكر أسكيا إسماعيل ابن أسكيا الحاج محمد

    فتولى أسكيا إسماعيل بتولية دند فاري مارتمز في يوم العزلان بالتريخ المذكور في موضع يقال له تال. ومكث محمد بنكن فيها ست سنين وشهرين.

    وفي هذا العام، أعني الثالث والأربعين بعد تسعمائة، توفي القاضي عبد الرحمن بن الفقيه أبي بكر بن الفقيه القاضي الحاج ضحوة السبت الحادي والعشرين من الربيع الآخر، وعمره اثنان وثمانون سنة. وسبقه ولي الله تعالى الفقيه الحاج أحمد بن عمر بن محمد أقيت إلى دار الآخرة بعام واحد غير شهر واحد، وهو رحمه الله تعالى توفي في العام الثاني والأربعين ليلة الجمعة العاشر من ربيع الآخر في أول الطاعون المسمى كف.

    وكيفما تولى إسماعيل بعث رسله ليطردوا محمد بنكن المعزول ويخرجوه من أرض سغي. وساروا قسمين، قسم إلى جهة هوص، وقسم إلى جهة كرم. وفي هذه القسم ياري سُنك دبي، طلب ذلك من أسكيا، ورجل آخر كذلك طلب منه تولية رئاسة التي له، فمنعها إياه وولاها لآخر. فلما تولى إسماعيل ولاه رئاسة أكبر منها.

    وقد قدم مرسولاً قبل هؤلاء إلى كاغ ليلاً يتركوه أن يدخل فيها. فتوجه في هروبه إلى تنبكت وجاز عليه يومان في مسيره ما ذاق الكور، وهو مولع به كثيراً. فإذا مرسوله الذي أرسله إلى جني في أيام سلطنته راجع في القارب، وفيه كل خير. فلما تحققه أتباعه صاحوا عليه: أسكيا هاهنا. فقصدهم حتى رسى قدامه وفهم ساعتئذ ما جرى. فطلب أسكيا منه الكور، وقال له: الكل متاعك، ارفع منها ما أردت. فقال: ليس بمتاعي اليوم ولا أرجع سارقاً ولا قاطعاً، أريد من الذي لك. فأعطاه ما يكفيه. فلما أكله وابتلعه تقياً جميع ما في بطنه لطول عهده به. ثم طلب منه المرسول أن يمضي معه، فلم يقبل وقال: امض في طريقك بسلامة وعافية، وإذا وصلت أخبر أسكيا بجميع ما جرى بيني وبينك، ولا تكتمه شيئاً منها، لئلا يسمعه من فم آخر فقتلك باطلاً، وأهل سغيث ليسوا بخير. فلما بلغ أسكيا أخبره بجبيع ما جرى.

    ثم وصل تنبكت في آخر الليل، فقصد دار أبي البركات القاضي الفقيه محمود ليسلم عليه. فوجد ابنه عمر المنتبه وحده ساعتئذ فوق سطح يطالع كتاب المعيار للينشريشي في ليلة مقمرة، وسنه يومئذ ولله أعلم سبعة وعشرون سنة. فشاور له والده الفقيه محمود، فدخل وسلم عليه وأخبره بما جرى عليه من أهل سغي. فخرج ساعتئذ وتوجه إلى تندرم عند أخيه كرمن فاري عثمان.

    وفي غد ضحوة وصل خيل أسكيا إسماعيل تنبكت الذين في إثره، فجاوزوا على حالهم. وعند وقت العصر وصلوهم عند بحر كركند قريباً من تندرم. فاقتتلوا هنالك. ورجع خيل أسكيا إسماعيل لما تحققوا أنه وصل عند أخيه عثمان، ومعه ولده بكر. وطلب منه الرجوع إلى كاغ للمقاتلة، فقال له: ما زال ذلك الأصبع الذي جعلك أسكيا يردك أسكيا. فقال له لا نقدر على ذلك الذي مددت جيش سغى به من الرجال في مدتي هذه، لا يقابلهم جميع جيشك، مع أن أهل سغى إذا كرهوا لا شفاء لهم.

    ثم وصل الخيل الذين أخذوا جهة كرم بلد كرم وهو مقابل لتندرم. فنادا ياري سنك دب: أسكيا مرنكن سلام عليكم. فقال له السائل: من أنت؟ قال: أما ياري سنك دب، ما أحب أن يكون عليك مثل هذا اليوم، ولكن أحب أن يكون قولي صدقاً. ثم نادا الآخر كذلك، فقيل له: من أنت؟ قال: أنا فلان، منعتني جيفة، فأبدلها الله لي ذبيحة.

    ثم رجعوا إلى سغي، بعد ما توجه هو وأخوه عثمان إلى ملي، ومعه ولده المذكور. فوصلوا بلد سنقرزومع، ونزلوا فيه للتوطن. فتزوج ابنه بكر هنالك، وولد ماربا.

    ثم شرع أهل ملي في الإذلال والتصغير لهم ولا يصبر عثمان على ذلك، يتكلم له ويوصيه على الصبر، حتى أن يوماً واحداً غضب عليهم غضباً شديداً في ذل الإذلال. فشدد عليه أسكيا محمد بنكن في الكلام يومئذ وأغلظ وقال له: أراك لا تريد لنا الخير في هذا الحال. فغضب عثمان وارتحل إلى بير وسكن فيها.

    ثم ارتحل أسكيا وأولاده إلى سام، آخر بلاد سلاطين أهل كَل، فسكن فيها مع عياله. وذكر عن أسكيا إسماعيل أنه قال لما صاح عليه المغني ساعة الطلوع انقطع قلبه وسال منه الدم من ورائه، قال لإخوته: وما ذاك إلا لأجل المصحف الذي حلفت لأسكيا محمد بنكن هو الذي أخذني ونفذ في، وأنا لا أستأخر في هذه السلطنة، فانظروا لأنفسكم وكونوا رجالاً، ما أردت خروجه من السلطنة إلا لثلاثة أشياء: إخراج والدنا من ضرورة تلك الجزيرة، ورجوع أخواتنا في الحجاب، وقول يان مار كلما رآه: فرخ نعامة واحد خير من مائة قروخ دجاجة.

    فبدخوله التسكية جاءه فارمنذ سوم كتابك، فنزل عن فرسه وقال له: بادر لي بذلك القتل. قال له: لا إلا أن تبقى في مقامك عزيزاً مكرماً عندي. فقال: لا والله. ولاطفه بالأقوال الحسنة كلها فلم يجد منه ممسكاً، فأمر بسجنه.

    وكيف ما نزل عن فرسه ساعة مجيئه ركب عليه أخوه داوود. لأجل تلك الجرأة جعله فارمنذ، لما أيس من قبول سوم كتابك. وجعل هماد ولد أري بنت أسكيا الحاج محمد كرمن فاري، ابن بلمع محمد كري.

    وفي الرابع ولأربعين أخرج أباه من مسجنه كنكاك في أول العام ورده إلى كاغ. وفيها ذهب إلى دور. وفيها توفي الأمير أسكيا الحاج محمد ليلة الأحد ليلة عيد الفطر، رحمه الله تعالى وغفر له وعفى عنه بمنه. ثم غزا إلى بكبول في أرض كرم، فلما قاربه رحل بعياله وقومه، فخرج من بين يديه. فأعطى الخيل لكرمن فاري هماد ولد أري، فتبعه حتى وصله. فتقاتلا وامتنع له الكافر. فبلغ الخبر أسكيا وأرسل لكرمن فاري أن امتنع لكم، أجيئ أنا بنفسي. فقال للعسكر سوسو، وهو كلمة التحضيض عندهم، يا أصحابنا، وقد عرفتم بلا شك ولا ريب إذا جاء يجد الذكر الجميل علينا، فتقدموا إليهم. وقتل الكفار منهم ساعتئذ تسعمائة فارس، فقتلوه مع المسركين وغنموا النجعة، حتى بيع عبد واحد في كاغ بثلاثمائة ودعاً.

    وتوفي أسكيا إسماعيل في شهر رجب يوم الأربعاء في العام السادس والأربعين بعد أن خرج أهل سغي إلى الغزو.

    الباب السادس عشر

    ذكر أسكيا إسحاق ابن أسكيا الحاج محمد

    فلما بلغهم خبر وفاته بادروا بالرجوع إلى كاغ قبل مجيئ بلمع، واتفقوا على أخيه أسكيا إسحق. فولوه السلطنة في شهر شعبان سادس عشر منه بالتاريخ المذكور. وأقام إسماعيل فيها سنتين وتسعة أشهر وسنّه يوم، ولايته سبعة وعشرون سنة.

    أما إسحق فكان أجلّ من دخل في تلك السلطنة وأظلمهم خوفاً وهيبة، وقتل من الناس أهل الجند خلقاً كثيراً وكان من سيرته إذا خال من أحد أدنى شيء من التعرض للسلطنة لا بد أن يقتله أو يخرجه من أرضه. هذا دابه وعادته. فبدخوله السلطنة أرسل زغرانياً واحداً إلى بير ليقتل كرمن فاري عثمان، وجعل له جعلاً ثلاثين بقرة التي ما ولدت واحدة منهن قط. فقتله ورجع، فأعطاه الجعل كاملاً. ولما خرج إلى وطنه أمر بقتله، فقتل. ثم قتل كرمن فاري هماد ولد أري وجعل علي كسر خلفه. ثم سأل عن سوم كتاباك، أحي أم لا. فأخبر أنه حي. أمر بإطلاقه ومجيئه إليه. فلما امتثل بين يديه قال له مثلك الذي يعرف الخير ويشكره هو الذي يستحق أن يقرب ويتخذ عضداً ورفيقاً، أريد أن أردك في مقامك عزيزاً مكرماً. فقال له طلبه مني السلطان الرشيد المبارك، ما صابه، فأحرى أنت الذي ليس بشيء. فقتله.

    ثم إنه حصل في قلبه خوف عظيم من هيكي بكر علي دود. فذكر لهنبركي أنه يأمره بالذهاب معه فيقبضه ويجعله في الحديد. وحين عزم على المسير قال أسكيا إسحق في ناديته: يا هيكي أنت مع هنبركي. فسكت ولم يجبه. ثم قال: يا هيكي أنت مع هنبركي. فسكت. ثم قال: يا بكر علي أنت مع هنبركي. فأسرع بالوقوف سمعاً وطوعاً، الآن علمت أن بكر علي هو الذي يذهب مع هنبركي، وأما هيكي لا يذهب مع هنبركي. فتعجب الناس من جودة فهمه ومعرفته بالجواب. فجعل هيكي موسى خلفه.

    ثم إنه صلى عيد الأضحى في كبر في آخر الثامنة والأربعين. وفي التاسعة والأربعين غزا إلى تعب آخر بلاد سلاطين بندك. فلما رجع طرق جني، وصلى فيها الجمعة. فلما أراد أن يدخل الجامع رأى مزبلة عظيمة جداً في قرب الجامع من جهة القبلة. قال: القوة بر. وما صلى الناس الجمعة حتى ردمها خدامه كأنهم لم تكن هنالك قط، لأن حكمه شديد.

    فلما فرغوا من صلاة الجمعة تكلم للقاضي العباس كب في بعض المسائل، ومحمود بغيغ جالس حذاء القاضي، وهو من أكبر شهوده. فبادر هو بالجواب. فلما وصل كاغ عن قريب جاءه مرسول أهل جني بنعي القاضي العباس رحمه الله تعالى، يستأذنونه في تولية القاضي. فقال: أليس هنالك قاض؟ قالوا: ما نعرفه. قال: يعرف هو نفسه المؤدب الأكحل الغليظ القصير الذي جاوبني ساعة أتكلم مع الهالك، علم هو أنه قاض، ولذلك اجترأ على مجاوبتي، وهل يقدر أحد على ذلك من الفقهاء غير القاضي؟ اذهبوا فهو قاضيكم من قبل.

    وبالغ فرن علي كشر في التعواخ له عند رجوعه من غزوة تعب، حتى بقي يريد منه الغرة ليقتله. ففطن له أسكيا إسحق وجعل يأخذ الحذر منه حتى بلغ مرسى كبر، فطلع تنبكت للسلام على القاضي الفقيه محمود، فسلم عليه ورجع. فلما بلغ المرسى بادر بالدخول في القارب، فلما رآه تعجل في الدنو إليه. فأمر القدافين أن يدفعوا إلى وسط البحر. فجاء بالغم حتى دخل البحر إلى ركبتيه، ولم يعرف. فلما أيس منه قال: هكذا كان الأمر. فولى بالغيظ الشديد.

    ولما بلغ أسكيا مدينة كاغ أرسل لأهل تندرم أن يطردوه. فخرج وحده هارباً إلى أرض الوادي. فقبضه رجل وباعه. فقيد في الحديد يسقي الجنان، إلى يوم واحد رآه واحد من العرب الذي يأتيه في بيع الخيل أيام تمرده وطغيانه، فحدد النظر فيه فقال: كأنك فرن علي كشر. فرمى نفسه في البئر، وكان فيه حتفه.

    وهو في أيام تجبره يتعدي على الأحرار يبيعهم. فبلغ شكواه القاضي محمود، فزاره يوماً واحداً فقال: لم تبيع الأحرار؟ ألا تخاف أن يبيعوك؟ كاد يتميز من الغيظ من قول أبي البركات، فتعجب به وأنكره وقال: كيف أباع؟ ولذلك صدق الله قول هذا السيد فيه.

    فجعل أخاه داوود كرمن فاري، ومكث فيها ثمانية سنين. وفي إحدى والخمسين ذهب إلى كُكُر كاب اسم مكان في أرض دند. وفي الثاني والخمسين أرسل أخاه كرمن فاري داوود إلى ملي، فهرب منه سلطان ملي. ونزل معسكره في بلده، وتأخر فيه سبعة آيام. وبرح في العسكر أن كل من يريد أن يطيّر الماء فليفعله في دار السلطنة. وفي سابع اليوم امتلأت الدار كلها بالغائط مع سعتها وعظمها. ثم ارتحل راجعاً إلى سغي. فلما رجع أهل ملي إلى البلد تعجبوا مما وجدوه في دار السلطان وتعجبوا من كثرة أهل سغي ومن رذيلتهم وسفاهتهم.

    وفي الخامس والخمسين توفي شيخ الإسلام أبو البركات الفقيه القاضي محمود ابن عمر ليلة الجمعة السادسة عشر من رمضان، كما مر رحمه الله تعالى ونفعنا به في الدارين. وفي يوم الجمعة الخامس عشر من الشوال تولى القضاء ابنه الفقيه القاضي محمد، وعمره يومئذ خمس وأربعون سنة، ومكث في القضاء سبعة عشر سنة وثلاثة أشهر، ومات في الثالثة والسبعين في صفر طلوع الشمس يوم الأحد الثالث عشر منه عن ثلاث وستين سنة، رحمه الله تعالى.

    وفي أول السادس والخمسين ذهب إلى كوكيا فمرض فيها مرض الموت. ولما اشتد عليه بعث لكرمن فاري داوود أحباؤه سراً في المجيئ، فأهمّه شأن أبرند فرم بكر ولد كبر بنت أسكيا الحاج محمد، لأنه شهر ونهر في الذكر الجميل حتى لا يختار أهل سغي أحداً عنه في ولاية السلطنة.

    فاشتكى به عند رجل عالم بالاستعمال، فاستعمل له عليه. وأمره أن يحضر خابياً الذي فيه ماء، فأحضره. وعزم فيه بالعزائم وناداه باسمه. فأجاب وقال له: اخرج إلي. فخرج شخص من الماء بقدرة الله تعالى على شكله وصفته. فجعل الحديد في رجليه وطعنه بالحربة، وقال له: اذهب. فغمص في الماء.

    ثم توجه إلى كاغ. ما وصل إلا وتوفي أربند فرم المذكور. فجاز إلى كوكيا فوصل قبل وفاة أسكيا إسحق. فخاصمه هيكي موسى أشد الخصومة وقال له: من أمرك بهذا؟ ومن شاورت عليه؟ ارجع الساعة. فرجع وعن قريب توفي. فبعث له في الرجوع فرجع.

    ولما أيس من الحياة اختار أربعين فارساً شجاعاً وأمرهم أن يوصلوا ابنه عبد الملك إلى كاغ عند الخطيب لدخول الحرمة، لما عرف من الإساءة التي فعل لأهل سغي، ولما عاملهم به عبد الملك المذكور من التوقح والإذلال من تجبره وطغيانه. فوصلوه كما أراد، وفيهم عثمان درفن ابن بكركرن كرن بن الأمير أسكيا الحاج محمد.

    وقد بعث إليه في أيام قوته مولاي أحمد الكبير سلطان مراكش أن يسلم له في معدن تغاز. فبعث له في الجواب أن أحمد الذي سمع ليس هو إياه، وأن أسحق الذي سمع ليس أبا إياه، ما زال ما حملت به أمه. ثم أرسل ألفين ركاباً من التوارق وأمرهم أن يغيروا على آخر بلد درعة إلى جهة مراكش بلا إخراج روح أحد فيرجعون على إثرهم. فغاروا على سوق بني أصبح كيفما قام وثبت، فأكلوا جميع ما وجدوا في ذلك السوق من الأموال. فرجعوا كما أمرهم، وما قتلوا أحداً. وما ذلك إلا ليري السلطان أحدم المذكور قوته.

    وحسب ما أخذه ظلماً وغصباً من تجار تنبكت من الأموال بعد موته، فكان سبعين ألفاً ذهباً، على يد خديمه محمود يزا أخ الأمين يزا، وهما قينان أصلاً، يتعاقب بين تنبكت وكاغ ذهاباً ورجوعاً، يقبض من كل أحد بقدر مقدرته. ما تكلم به أحد في حياته خوفاً من سطوته.

    وتوفي يوم السبت والله أعلم الرابع والعشرين من الصفر سنة ست وخمسين وتسعمائة وبين موته وموت أبي البركات الفقيه محمود خمسة أشهر وعشرة أيام ومكث في السلطنة تسع سنين وستة أشهر.

    الباب السابع عشر

    ذكر أسكيا داوود وغزواته

    فتولى بعده أخوه أسكيا داوود بن الأمير أسكيا الحاج محمد يوم الجمعة الثالث والعشرين من صفر المذكور في بلد كوكيا. ورجع إلى كاغ في أول يوم من ربيع الأول، فجعل كشي كرمن فاري، وهو زغراني أصلاً، وابنه محمد بنكن فاري منذ، وأخاه الحاج كري فرم. ثم جاءه دند فاري محمد بنكن سنبل عن دند.

    فلما دخل كاغ قال: جميع الخدام يستحق العقوبة إلا هيكي موسى وحده، لأنه خديم نصيح وقام بها حق القيام. يعني بذلك طرده لداوود حين جاء بغير الأمر، وهيكي موسى المذكور صاحب جرأة ونجدة وشدة قد بلغ فيها الغاية القصوى. فدخل أسكيا داوود في حيلة اغتياله وأمر ابن أخته محمد ولد دل أن يرعاه متى وجد فيه الفلتة يقتله. فرماه ذات يوم بحريش فقتله. وجعل هيكي علي داد خلفه.

    ثم أمر بتسريح بكر علي دود بن علي فلن، فهو معه في كاغ، إلى أن مات دند فاري محمد بنكن سنبل، أعطى مقامه لهُك كري كي كمكل، وفصّل ثيابه ولم يبق إلا أن يلبسه القلنسوة في ناديته. فجاء بكر علي دود في نصف ليل إلى باب دار فاري منذ محمد بنكن ابن أسكيا داوود فدق عليه الباب بشدة فخرج فزعاً مرعوباً، وحرشانه في يده، فقال: أيش؟ ثم قال: أسكيا يقتلني غداً في ناديته ولا بد، ولذلك جئتك لأخبرك به. فقال له: ولم؟ قال: لأنه عزم أن يجعل كمكل دند فاري غداً، وعرفت بلا شك ولا ريب أني أموت ساعتئذ. فقال له: وانتظرني هنا حتى أجيئ. فمشى إلى عند أسكيا ساعتئذ، وأتى بالباب الأكبر، ودقها فشاور عليه البوابون، فأمر له بالدخول. فأخبره بالقصة بحالها. وقال له: ارجع وأخربه بأنها له، ويدخل فيها غداً إن شاء الله تعالى.

    فلما أصبح واجتمع عليه قومه في ناديته قال لوَند، وهو الذي يعود كلامه للناس: إذا تكلم قل لهذه الجماعة استخرت الله تعالى فيمن أولّيه على أهل دند، فما أرانا الله إلا هيكي بكر علي دود وهو دند فاري. فقام هُك كري كي كمكل، وحتى كفه بالتراب فنثره في قبالة أسكيا داوود فقال: وهو الأمير يكذب؟ فوالله ما أراكه الله، إنما أرأته نفسك. فرجع لمجلسه الأصلي. فلما مات ولى كمكل الذكور ذلك المقام. ثم ولاه بان بعد وفاة كمكل، ولم يمت بان إلا في زمن أسكيا الحاج. فما ولاه أحداً، وبقي الموضع مرمياً على الأرض إلى قدوم كرمن فاري الهادي لكاغ للقتنة تحير أسكيا الحاج منه. وقام هيكي بكر شيلي أجي وقال لأسكيا: إذا أردت أن أقبض لك الهادي ولّني دند فاري فولاه حينئذ إياه، وقبض الهادي.

    ذكر عزواته. وفي شهر شوال في العام الذي تولى فيه غزا إلى موش. وفي آخر السابع والخمسيه غزا إلى تع، اسم موضع في أرض باغن ويقال له ترمسي وكُم، فحارب في فندنك جاجي تماني، وفيه أتى بالقينين والقينات كثيرات المسمات مابي، وجعل لهم حارة في كاغ، كما جعلها الأمير أسكيا الحاج محمد لموش فيه. وفي شهر جمادي الأولى في الثامن والخمسين رجع إلى تندرم. وفي هذا العام وقع الطاعون في هذه الناحية كُرز، مات منه خلق كثير.

    وفي التاسع والخمسين وقعت الخصومة بين أسكيا داوود وبين كنت سلطان ليك، وفي الموفي ستين اصطلحا. وفي إحدى والستين خرج إلى كوكيا، وبعث هيكي علي داد إلى كشن سرياً، فالتقى أربعمائة فارس أهل لبت أهل كشن مع أربعة وعشرين فارساً من أهل سغي في موضع يقال له كرفت، فتقاتووا هنالك أشد القتال وطال الحال بينهم جداً في معركة هائلة. فقتل أهل كشن منهم خمس عشر رجلاً، منهم هيكي المذكور وأخوه محمد بنكن كوم بن فرن عمر كمزاغ وغيرهم. وقبضوا منهم تسعة مجروحين، منهم علوز ليل بن فرن عمر كمزاغ والد قاسم، وبكر شيلي أخي، ومحمد دل أخي، وغيرهم. فعالجوهم وقاموا بهم أحسن القيام، فأعتقوهم وبعثوهم لأسكيا داوود وقالوا: مثل هؤلاء لا يستحقون الموت لنجدتهم وشجاعتهم. وبقوا يتعجبون منهم لبأسهم وشدتهم حتى صاروا أمثلة عندهم. وولي مقام الهالك هيكي علي داد بكر شيلي أخي، فكا ن هيكي.

    وفي الثاني والستين صعد من برن إلى ورش بكر، وأخرج شاغ فرم محمد كناتي وهو ونكري أصلاً، وهك كري كي كمكل مع الجيش إلى الجبال. وفي الثالث والستين غزا إلى بُص، وخربها ومات فيه خلق كثير هنا في الماء. وفي هذا العام مات الشيخ الأمين ابن الضو ولد سلطان وجلة.

    وفي السنة السادسة والستين غزا إلى بلد سوم في أرض ملي، وتوفي سوم أنز عند وصوله هناالك، فولي ابنه مقامه. فجاز إلى دبكرلا، وقاتل فيها قائد سلطان ملي مع كنت فرن وغلبه. وفي هذا الطريق تزوج نار ابنة سلطان ملي، ورحّلها إلى سغي في مملكة عظيمة من حلي وعبيد وأماء وآثاث وأمتعة ومعوناتها كلها من ذهب صحائف وقلات ومهراس ومدق وغيرها، وبقيت في سغي إلى أن توفيت فيه.

    ثم رجع وفي رجوعه مات أسكيا محمد بنكن في بلد سام، وقد ذهب بصره حينئذ، فلما حاذاه أسكيا داوود نزل في مقابلته من وراء البحر، فاستأذنه سبطاه محمود وكلك فرم سعيد في السلام عليه، فأذن لهما. فقطعا البحر إليه وفرح بهما غاية الفرح، وبات معهما في السمر. فلما انقطع الحديث بينهم في أواخر الليل حركه أحدهما وقال له: قد رقدت؟ ضحك متعجباً من قوله فقال: ما اكتحل عيناي بنوم منذ اجتمع أبوكما وأمكما على مكيدتي. ثم سأل عن كركا منذ سرك ولد كل شاغ: أحي هو؟ قالا: نعم. قال: وما زال في مرتبته الدنيوية؟ قالا: نعم. فلما سمعه سرك المذكور، وهو ملسن، قال: ما هو أفضل، عزله من مرتبته العلية أم بقاءي في مرتبتي الدونية؟ كركا قرية في أرض تندرم. كرمن فاري عثمان يوباب هو الذي ولاه عليها، فطال عمره فيها جداً حتى انقرضت دولة سغي وهو فيها. وما مات إلا بعد ما سرح الباشا محمود بن زرقون بكر كنبو ابن يعقوب من السجن وجعله كرمن فاري. وفي اثني عشر يوماً من ولايته توفي كركا منذ المذكور.

    ولما أصبح أسكيا داوود في مقابلة بلد سام أمر جميع أرباب آلات الطرب أن يسلموا على أسكيا محمد بنكن بضرب الآلات. فلما سمع الأصوات انقطع نياط قلبه فمات من ساعته. وبقي عياله ثمه.

    ولما وصل في رجوعه مدينة جني نزل معسكره في زبر. ثم دخل المدينة لصلاة الجمعة، والأمير [الأمين] هو جني منذ يومئذ، وهو الذي ولاه تلك المرتبة، وقد كان في زمن أبيه الأمير أسكيا الحاج محمد، من الذين يسيرون قدامه عند الركوب ويشدون السرج بالمناوبة. ثم جعله ابنه أسكيا إسماعيل رئيس أصحاب الرجل الذي يقال له رب الطريق، وهو كذلك إلى أوائل ولاية أسكيا داوود، وجعله جني منذ، وهو الحاكم على البلد.

    فلما خرج من المسجد بعد صلاة الجمعة وقلّ تحت سرجه يشده على حاله القديمة فوضع يده على رأسه ويكلم له برفع الصوت والتغليظ في الكلام ويقول له: جعلناك حاكماً على الأرض ولا ترعاها حتى كثر كفار بنبر فيها وثبتوا ما تغير عليهم. وهو يتكلم حتى قارب باب زبر. قال. الله يجعل البركة في عمرك وفي أيامك، أنا تحت سرج أبيك وأشده ويده على رأسي هكذا، حاشاك من التصغير. فقال لي: السلطان الذي لا يجتنب غزوة الحجر وغزوة عابة كوب لا يريد لجيشه إلا التلف والخسارة، وقد حضرت أنت بنفسك في أرضك وبلادك، افعل فيها ما بدا لك. ثم توجه إلى بلده ودخل فيه يوم الجمعة في شوال.

    وفي السابع والستين مات شاغ فرم محمد كناتي في ربيع الأول، وفيها توفيت ويزا حفصة ليلة الاثنين السابعة من شوال. وفي الثامنة والستين توفي الشيخ الفقيه المختار ابن عمر صبيحة الأحد الرابه يوماً من ربيع الثاني، وفيها تولت ويزا كيبن يوم الجمعة أول يوم من جمادي الأولى، وفيها توفي سلطان ليك محمد كنت في التاسع من رمضان، وخلفه في السلطنة ابنه أحمد في ذلك الشهر.

    وفي التاسعة والستين صعد أسكيا داوود برن فغزا إلى موش ثانية، فهرب هو وجيوشه كلهم منه، ومات كيم كش وأبو بكر سو ابن فار محمد بنكن سنبل وكثير من الناس. ورجع في شهر رجب من هذا العام، وفي رجب هذا توفي كرمن فاري كشي ابن عثمان، ومكث في رئاسته اثني عشر عاماً.

    وفي الموفي سبعين توفي الفقيه محمد بن عثمان رحمه الله يوم الأربعاء بعد العصر التاسع عشر من ربيع الثاني. وفي هذه السنة توفي كرمن فاري يعقوب بن الأمير أسكيا الحاج محمد في ربيع الأول يوم الجمعة. وفي يوم الاثنين السابع عشر من رمضان في هذا السنة توفي فاري محمد بنكن. وفي أواسط ذي الحجة مكملة هذه السنة تولى فار بكر علي دود بن القيم سلطنة دند كما تقدم.

    أما محمد أكما تغاز منذ خديم أسكيا فقد توفي في تغاز في عام أربعة وستين وتسعمائة، قتله الفلالي الزبيري والد يعيش بن الفلالي بإذن مولاي محمد الشيخ الكبير سلطان مراكش. وقتل معه من التوارق الذين يرفدون ملح: أظلى علي انيي وعلي أندار وأندوس أكمتلك وغيرهم. فرجع الباقون إلى عند أسكيا داوود فذكروا له أنهم لا يتركون عادتهم من الرفود للملح إن تفوت، وأنهم عارفون المعدن غير تغاز الكبير. فأذن لهم في رفود منها، فحفروا تغاز الغزلان في لك العام، فرفدوا منها. والفلالي المذكور ما فعل ذلك إلا غضباً على أسكيا حيث اختار بن عمه الهنيت والد الشيخ محمد التويرق فولاه أمر تغاز.

    وفي سنة إحدى وسبعين بعد تسعمائة بعث أسكيا داوود فاري بكر علي دود إلى أرض برك لقتال بنَ، وهو عفريت غندور كيس حذر جداً. فخرج في شوال في وقت الصيف الشديد الحر جداً، فسار بالجيش في الفيافي والقفار. وكتم وجهته عن الجميع، وأسكيا هو الذي أمره به. وأخذ يسير بهم سراً عنيفاً. فاشتكى الناس عند فار منذ محمد بنكن بن أسكيا داوود وطلبوا منه سراً أن يسأله عن وجهتهم، فسأله. وانهاره مغضباً عليه أشد الانتهار، وقال له: أنت الذي تريد كشف سر أسكيا، لا أدخل لكم في توقحكم الذي تعاملون به الناس جميعاً. فخاف وسكت. فوصل بن وأدركه فجأة على الأرض نازلاً من فوق الجبل، ولا يحسب غزوة سغى يأبته في ذلك الوقت أبداً. فاقتتلوا وقتلهم جميعاً أهل سغي. وأما هو فلم يقتله إلا حصل فرم علو بص بن فاري منذ محمد بنكن سنبل. فرجعوا. وفي شهر ذي الحجة المكملة لهذه السنة دخلوا كاغ.

    وفي سنة اثنين وسبعين توفيت ويزا كيبن ليلة الخميس في شهر شعبان. وفي سنة الثالثة والسبعين توفي الفقيه الجليل القاضي محمد بن الفقيه محمود رحمهم الله في شهر الصفر كما تقدم، وتولى القضاء بعده أخوه العدل الفقيه الإمام القاضي القب، ومكث فيها ثمانية عشر عاماً رحمه الله تعالى. وفي هذي السنة توفي فاري بكر علي دود في شهر جمادي الأخرى.

    وفي سنة الرابعة والسبعين توفي الشيخ المبارك عمدة المسلمين الخطيب محمد سيسي يم السبت الثامن عشر من ربيع الثاني بعد الزوال رحمه الله تعالى. فولي مقامه الفقيه الخطيب محمد كب بن جابر كب، وهو من أهل جني، فرحله منه إلى كاغ بعد ما طالب به العلامة الفقيه محمد بغيع الونكري، فأبى وامتنع واستشفع بأخيه وشيخه ولي الله تعال الفقيه أحمد بن محمد سعيد، فمشى معه إلى كاغ في تلك الشفاعة، فشفعه فيه، ورجعا لتنبكت. فعن قليل بعد وصولهما توفي الشفيع شيخ الإسلام الفقيه أحمد المذكور رحمهما الله تعالى ونفعنا ببركاتهما أمين.

    وفي السنة الخامسة والسبعين توفي جدي عمران بن عامر السعيدي في عشرين من رمضان عن ثلاثة وستين سنة، ودفن في جوار سيدي أبي القاسم التواتي رحمهم الله تعالى.

    وفي السنة السادسة والسبعين في فاتحة المحمرم توفي ولي الله تعالى العلامة الفقيه أحمد بن خمحمد سعيد سبط الفقيه محمود يوم الأربعاء أول وقت العصر الثامن والعشرين منه، وصلي عليه بعد صلاة المغرب، ودفن بين العشائين في جوار جده الفقيه محمود، وعمره اثنان وأربعون سنة.

    وفي أواخرها جدد القاضي العاقب بناء مسجد محمد نض، وعدله تعديلاً بليحاً، وختمه في شهر الصفر في السنة السابعة والسبعين. وفيها شرع في حمل اللبن لبناء الجامع الكبير بتنبكت، وابتدأ فيه في خامس عشر من رجب منها. وخربها يوم الأحد الخامس عشر من ذي الحجة وابتدأ في بنائها يوم الثلثاء السابع عشر منه. وفي شهر شوال من هذه السنة توفي الرجل الصالح إمام هذا جامع الإمام عثمان بن الحسن التشتي ودفن في المقابر القديمة، فسواها جميعاً القاضي العدل العاقب المذكور، وزادها في الجامع القديم. وموضع قبر هذا الإمام معروف فيه عند أهلا معرفته. فتولى إمامة الجامع الكبير الإمام محمد كداد بن أبي بكر الفلاني، وهو من عباد الله الصاحين بأمر القاضي العاقب.

    وفي أول السنة الثامنة والسبعين غزا أسكيا داوود إلى سور بنتنبا في أرض ملي، وهي آخر عزواته في أترم، وهو جهة المغرب. وفي هذا الطريق بعث ابنه كري فرم الحاج إلى الحمدية، ومعه سلطان نان الحاج محمود بير بن محمد الليم بن أكنقي مغشرن كي زوج ابنته بت، والمسك أنداسن كي، في أربعة وعشرين ألفاً جيش التوارق، اثنا عشر ألفاً مع كل أحد، وهي عادة جارية منهم إذا ناداهم أسكيا للغزو. لا بد يأتي كل واحد منهما بهذا العدد من الرجال. فغار على العرب الذين في تلك الجهات ورجع. وفي هذا الطريق حملت بابنه هرون الرشيد أمه. وأخوه الكبير فاري منذ محمد بنكن بن أسكيا داوود هو صاحب هذا الغزو بالطريق، ولكنه عليل يومئذ بعلة قرح مسر.

    ثم رجع أسكيا فطرق تنبكت ونزل في مؤخر الجامع في صحنه حتى جاءه القاضي العاقب وفقهاء البلد وأعيانه للسلام عليه والدعاء له. وأدرك الجامع ما زال ما تمت بناؤه، فقال للقاضي: هذا البافي هو سهمي في التعاون على البر، فأعطاه في ذلك ما قدر الله تعالى على يده. ولما بلغ داره بعث له اربعة آلاف خشب من شجرة كنكو، فختم بناءه في هذه السنة.

    ثم غزا إلى كرم ووصل بلد زُبنك وقاتل فيه رئيسه تنن توتم وهزمه. ثم بعث كرمن فاري يعقوب إلى سن فغار على دع لبعض تعوّج صدر من دع كي، فسبا جميع عياله. ثم صالح بينهما أمكي فردهم له. ورجع وتحرك ثلاث تحريكات ما غار على أحد ولا قاتل مع أحد. واحدة منها وصل إلى حد موش فرجع بلا مغارة، والأخرى في جهة دند وصل إلى لولامي ومعه، والدتها ساني ابنة فاركي فماتت ثمه فقبرت فيها، ورجع. والذي رويت عنه الخبر قال إنه نسي الثالثة.

    وفي سنة خمس وثمانين وتسعمائة جدد القاضي العاقب بناء المسجد الذي في سوق تنبكت. وفيها توفي الخطيب محمد كب بن جابر كب في كاغ رحمه الله تعالى. وفيها توفي مؤدب كسنب بن علي كسنب وأحمد سر المداح بن الإمام. وفيها هرب باونك من تمن إلى سوا. وفيها طلع نجم ذو ذنب ليلة الجمعة خمساً وعشرين ليلة من شعبان. وفيها توفي السلطان مولاي عبد المالك في مراكش، وتولى أخوه مولاي أحمد الذهبي. فبعث لأسكيا داوود أن يسلم له في خراج معدن تغاز عاماً واحداً، وبعث له هو عشرة آلاف ذهباً هدية وعطية خير، فتعجب من سخائه وجوده، فكان سبب المحبة والوصلة بينه وبينه. فلما بلغه خبر وفاة أسكيا داوود تحزن وجلس للتعزية، فعزاه كبار أجناده كلهم.

    وفي أواخر هذه السنة توفي كرمن فاري يعقوب، ومكث فيها ستة عشر سنة وخمسة أشهر. وفي يوم الخميس ثاني عشر من المحرم سنة ست وثمانين بعد تسعمائة شرع القاضي العاقب في تجديد بناء مسجد سنكري، واستهل الشهر فيها بالاثنين. وفيها وقعت الخصومة بين أولاد الشيخ محمد بن عبد الكريم وبين يحيى تنبكت منذ. وفي شهر شوال من هذه السنة ولى أسكيا داوود محمود درمي خطيباً. وفي شهر رمضان تاسع شهور سنة ست وثمانين وتسعمائة ولى ابنه محمد بنكن سلطنة كرمن. وفي أواخر ذي القعدة خرج من كاغ ووصل تنبكت يوم الثلاثاء التاسع والعشرين منه، ووصل تندرم في أوائل ذي الحجة وولى ابنه الحاج فار منذ، وفوّض الأمر لكرمن فاري محمد بنكن في جميع شؤون ناحية المغرب. وفي هذه السنة والله أعلم توفي بلمع خالد بن الأمير أسكيا الحاج محمد في ذلك رمضان، وتولى بعده بلمع محمد ولد دل.

    ثم إن كرمن فاري طلب من أبيه الغزو لقتال أهل جبل دم، وقد امتنعوا لشن علي وأسكيا الحاج محمد، وما نالا منهم نيلاً. فأعطاه جيشاً وجعل عليهم هك كري كري يأسي، وأمره أن لا يدخل بجيشه في خطر وغرر ووكد عليه في ذلك جداً. فلما وصلوا الجبل المذكور أراد فرن محمد بنكن أن يطلع بالجيش عليه. أبى ياسي. وعاوده فأبى. فقال له: يا هذا العبد الداسر، لا تبال بأحد. وقال له: أخطأت في الخطاب، قل في يا هذا العبد السوء، نعم وهو كذلك. ولم يرض له بالإسعاف بمراده ذلك.

    ثم إن مع الغندور المعروف المشهور الذي انتشر ذكره بالغندرة وفشي هو من أهل هذا الجبل طلع على الجيش من فوقها، فكمن له محمد ولد مور، وهو على حصانه، يصعد إليه قليلاً قليلاً في طرف الجبل حتى قاربه فرماه بالحريش، فطاح على الأرض ومات. فمن حينئذ ازدادوا خوفاً من خيل أهل سغي. ثم رجع فرن محمد بنكن من غير قتال.

    وفي سنة تسع وثمانين بعد تسعمائة توفي الأمان [الإمام] محمد بن أبي بكر كداد الفلاني ليلة الأحد التاسعة والعشرين من المحرم، وتولى أحمد بن الإمام صديق إمامة الجامع يوم الأربعاء السابع عشر من صفر. وفي هذه السنة توفي بلمع محمد دل كر بنكي، ومكث فيها والله أعلم خمس سنين، فتولى بعده محمد وعون دعنككي ولد عائشة بنكن بنت الأمير أسكيا الحاج محمد، ولاه أسكيا داوود.

    وفي سنة تسعين بعد تسعمائة وقعت في تنبكت وباء عظيمة ومات فيها خلق كثير. وفيها وقع القطاعون المحاربون من فلان ماسنة على قارب أسكيا الحاج من جني، ونهبوا بعض أمتعته. ومثل ذلك لم يكن في دولة سغي قط، وذلك في زمن سلطان ماسنة فندنك بوب مريم. فلما بلغ الخبر فرن محمد بنكن نهض ساعتئذ وتوجه لماسنة للانتقام منهم من غير مشاورة واحد من كبرائه. فلحقهم الكبراء بعد ما ذهب فزين له الحال أخوه تنكي سالك وبن فرم دك وصوّباها له من غير أن يكون صواباً عندهما غضباً وغيظاً لتحقيره إياهما حيث أبى لهما ولو بإعلام فأحرى مشاورة الحاصل. غار على ماسنة وأفسدها فساداً عظيماً وقتل فيها من فضلاء الطلبة وصلحائها كثيراً، فظكهر لهم بعد موتهم كرامات عجيبة. وأما السلطان فهرب إلى أرض في سنوي حتى سكنت الفتنة رجع.

    ولما بلغ الخبر أباه أسكيا داوود أنكرها عليه جداً. فكانت مطياراً عليه لأن أسكيا ما تأخر بعد الوقعة في الدنيا كفى ذلك مطياراً له. وفي شهر رجب من هذه السنة توفي أسكيا داوود، ومكث فيها أربعاً وثلاثين سنة وستة أشهر. وكان موته في تندبي قريباً لكاغ، وهي مزرعه وفيها داره وعياله يأخذ أياماً فيها في آخر عمره. وأولاده الكبار كلهم معه هنالك عند موته. فجهز وحمل في القارب إلى كاغ ودفن فيه.

    الباب الثمن عشر

    ذكر أسكيا الحاج ابن أسكيا داوود

    والحاج ابنه هو أكبر أولاده يومئذ هنالك. فتحزم وركب حصابه. وركب إخوانه كلهم خلفه، ولكن غير دانين منه، وليس له مثل يومئذ في أهل سغي كافة في النجدة والشجاعة والصبر والتحلم. وقال من حضرهم هنالك من أهل العقل والمعرفة ساعتئذ يستحق: أن يكون أميراً ولو في بغداد.

    وقيل اثنان من سلاطين سغي أكبر من سلطنتهم الأمير أسكيا الحاج محمد وحفيده سميه أسكيا الحاج محمد بن أسكيا داوود. واثنان استويا بها أسكيا محمد بنكن بن فرن عمر كمزاغ وأسكيا إسحق بن أسكيا داود، واثنان استويا بها أسكيا محمد بنكن بن فرن عمر كمزاغ وأسكيا إسحق بن أسكيا داوود. والباقون سلطنة سغي أكبر منهم.

    فلما ركبوا عند مسيرهم لكاغ خرج حامد من بين إخوانه وتقدم إليه، فأخذ يساره ويقول له: اقبض فلاناً وفلاناً وفلاناً. ففطن إخوانه لا يتكلم إلا بالنميمة. ثم رجع لمركبه، فتقدم إليه الهادي فقال له لا: تتبع كلام هذا النمام، ولا تعمل الغار لأحد، فلا لك منازع هنا، ولا تتبع إلا الأكبر. فالأكبر إن كان محمد بنكن حاضراً هنا اليوم لا يصل إليك هذا اللأمر. وإن كنت غائباً اليوم وحضر هذا النمام القليل البركة لا نحاوزه به. فقال أنا وفعل الغار فيكم بعيد، لأن أباكم أودعكم علي، مع أن هذا الأمر قد فات اليوم الذي أريد أن أكون فيه، وهو حياة أعمامي وأقراني الذين أسنّ مني، ولو لا أن الدهر هو الذي أوجب علي قعود تلك العتبة اليوم لا أقعد عليه.

    فلما دخلوا البلد وفرغوا من دفن والدهم بايعه القياد والأجناد وسائر الخلق والعباد في سابع عشرين رجب المذكور. ولكن ما دخل فيه إلا وهو عليل بعلة القروح في أسفله، فمنعته التصرف في نفسه حتى لم بغزو ولو مرة واحدة إلى أن توفي.

    ولما بلغ فرن محمد بنكن خبر مرضه توجه إلى كاغ، وحين وصل تنبكت سمع خبر وفاته وولاية أخيه أسكيا الحاج محمد، رجع وتأخر في أككن ثلاثة أيام، ثم مشى في طريق حمالن ونزل في دبوس. ثم مشى ووصل داره. ثم جهز جيشه وعزم على الوصول إلى كاغ للقتال. فلما دخل تنبكت ذهب إلى القاضي برسم السلام ولا علم عند أحد من الجيش إذا سمعوا أنه حين قعد عند القاضي طلب حرمته أن يكتب لأسكيا أنه سلم في رئاسته وأنه يريد المكث في تنبكت لطلب العلم. فلما سمعوا ذلك هرب الجميع ساعتئذ وتوجهوا لكاغ عند أسكيا. فكتب القاضي وقبل أسكيا وولى أخاه الهادي بن أسكيا داوود سلطنة كرمن، وفعل أخاه المصطفى فاري منذ. وبقي هو في تنبكت في تلك الحال. ثم إن كبراء الجيش رأوا فيها بينهم أن بقاءه في تنبكت لا تصير عاقبته إلى خير لهم ولأسكيا، فاتفقوا وجاءوا إليه وقالوا له: تختار أنفسنا عنك وعن أخيك محمد بنكن، وكونه في تنبكت لا نقبله، لأن مراسيلنا لا ينقطعون عنه لقضاء حوائجنا فيه، لا يرجع النمامون يقولون إذا رأوا مرسول أحدنا توجه إليه: ها مرسول فلان مشى إلى عند محمكد بنكن.

    فسمع كلامهم ذلك ووعاه وأرسل أمر بن إسحق بير أسكيا مع أناس في قبضه في تنبكت وأمره أن يسجنه في كنت. فوصلوه في قائلة من النهار نائماً في داخل البيت، وحصانه مربوط في حصنه، وعنده عبيده الذي يخدم الحصان. فطلعوا من فوق حائط البيت على خيله متلثمين بعمامات سود متحزمين على قفاطين سود، فرمى الحصان أمر المذكور بحريش لكي يموت لئلا يركبه محمد بنكن ويقاتلهم. فتحرك الحصان في مربطه تحريكاً شديداً حتى أيقظه من النوم. فسأل العبيد عن تحريكه، فأخبر بما جرى، علم أنه أمر من أسكيا. فمات الحصان، وقبضوه وأنفذوا أمره فيه.

    وبقي في كنت إلى ولاية أسكيا محمد بان، وبقي أولاده الثلاثة عمر بير وعمر كت وينب كيز أجي مختفون خائفين من أسكيا الحاج إلى انقراض دولته واقراض دولة أسكيا محمد بان. وقبل دخول أسكيا إسحق أظهروا أنفسهم وبقوا يطلبون أمر المذكور ليقتلوه في تلك الفترة. ففطن واختفى في الزمرة التي يقال لهم سوما، وهم الذين يحضرون دخول أسكيا حتى يدخل. وعادتهم لبس البرانيس، فلبس هو البرنس معهم حتى دخل أسكيا أسحق. فخرج حينئذ لأن الفتنة سكنت ولا يقدر أحد أن يتعدي على أحد.

    ثم إن بكر بن أسكيا محمد بنكن لما سمع بولاية أسكيا الحاج محمد خرج من أرض كل مع ابنه مربا فقدم كاغ، فأكرمه أسكيا الحاج وجعله باغن فاري. فرجع إلى تندرم وهو محسوب في جيش كرمن مع ابنه المذكور عزيزاً مكرماً.

    ثم ذكر لأسكيا الحاج أن فندنك بوب مريم حلف أن رأسه لا يدخل في باب الدار أبداً فأرسل اباغن فاري بكر أن يسير إليه بالتدبير والكياسة حتى يقبضه ويأتيه به بحيث لا يفطن فيهرب. ففعل ذلك وقبضه وأتاه به. فلما امتثل بين يديه وهو مقيد بالحديد، فقال له: يا ابن مريم أنت الذي حلفت رأسك لا يدخل في الباب أبداً. فقال له: لا تعجل علي بارك الله في عمرك حتى أتكلم. فقال له: تكلم. فحلف بالله تعالى أنه ما تكلم، والأعداء الذين لا يريدون لي إلا الموت هم الذين يقولونه علي، وأين أذهب فأفوتك؟

    فأمر بإمضائه وتأخر زماناً ولا يدري أحد من الناس أين هو، حتى ظنوا أنه فارق الدنيا، إلى يوم واحد أمر بإحضاره وقال له: أريد أن أردك لسلطنتك، فجازاه بخير ودعا له وأكثر في الدعاء. وقال: إن خيّرتني لا أبغيها. فقال وما تبغي؟ قال: أن أكون عندك هنا وأخدمك. فعظم ذلك عليه وأعطاه من أجله عشراً من الخيل وخداماً كثيراً وداراً وأعطاه من كل خير ما هو المني والبغية. فبقي في كاغ عزيزاً مكرماً. وولي حمد أمنة مقامه لأهل ماسنة.

    وفي يوم الأحد آخر وقت الضحى الحادي عشر يوماً من رجب عام أحد وتسعين بعد تسعمائة توفي القاضي العاقب بعد أن ملأ أرضه بالعدل بحيث لا يعرف له نظير في ذلك من جميع الآفاق، ومكث فيها ثمانية عشر سنة.

    وبين وفاته ووفاة أسكيا داوود ثلاثة عشر شهراً. وفي ليلة الاثنين السابعة عشر من شعبان في هذا العام توفي الفقيه المحدث أبو العباس أحمد بن الحاج أحمد بن محمد أقيت رحمهم الله تعالى أجمعين. وبقيت القضاء في تنبكت سنة ونصفاً بعد وفاة القاضي العدل العاقب، ما تولاها أحد لأن أسكيا الحاج أرسل في ذلك للعلامة الفقيه أبي حفص عمر بن الفقيه محمد، ما قبلها مرتين وثلاثاً، والفقيه محمد بغيغ الونكري هو الذي يفصل بين المولدين والمسافرين، والمفتي الفقيه أحمد معيا هو الذي يفصل بين أهل سنكري.

    ولما طال الحال بعث الشيخ المبارك الفقيه صالح تكن لأسكيا سراً أن يكتب له إذا لم يقبلها يوليها الجاهل، فكل ما حكم لا يسأل به الله تعالى عنه إلا إياه غداً بين يديه. فلما قرأ الكتاب بكي وقبل فتولاه في آخر يوم من المحرم فاتح سنة ثلاث وتسعين وتسعمائة. ومكث فيها تسع سنين كاملاً.

    وفي سنة اثنين وتسعين وتسعمائة خرج كرمن فاري الهادي من تندرم في صفر عازماً إلى كاغ لأجل الفتنة وأخذ السلكنة، وقيل أن إخوانه الذين كانوا في كاغ عند أسكيا هم الذين أرسلوا له سراً أن أسكيا الحاج ما فيه جهد أن يعزم، ويقدم لدخول السلطنة. ثم غدروه وسلموا فيه.

    فلما وصل كبر أرسل رسوله إلى الفقيه عمر برسم السلام ولم يجيئ هو بنفسه كما هو عادته. ثم مشى في طريقه فتلقاه رسل أسكيا الحاج قبل أن يصل فطلبوا منه أن يرجع، فأبى. ورجعوا وأخبروه بخربه. فوصل كاغ ليلة الاثنين رابع ربيع الأول، وعليه الدرع وبين يديه بوقاته وطبله وغير ذلك. فخاف منه أسكيا خوفاً عظيماً لأنه مريض عاجز لا يقدر على شيء. فقال له هيكي بكر شيلي أجي: ولّني سلطنة دند الآن أقبضه لك. فولاه إياها لأنه منذ توفي دند فاري بان في زمنه ما ولاها أحداً.

    فقام في الحال ونصح. فجاء إليه إخوانه الذين كانوا هنالك يومئذ، منهم صالح ومحمد كاغ ونوح وغيرهم على أرجلهم، فقالوا له: ما أتى بك هنا وما تريد ومن شاورت ومن اتفق معك عليه؟ وما ذلك إلا أنك حسبت جميع من هنا نسواناً، انتظرنا هاهنا حتى ترى ما عندنا.

    فرجعوا وتحزموا وركبوا خيلهم وأيوا [أتوا] عازمين على المقاتلة معه. فقال له الناس: اذهب إلى دار الخطيب حتى يصالح بينك وبين أسكيا. ودخل في داره. فلما سمع أسكيا بدخوله خرج ساعتئذ وأمر بإمساكه من هناك وبإتيانه بين يديه. فأمر بنزع ما عليه، فوجد عليه درعاً من حديد. فقال له: هادي ما أنت إلا كفور. فبكي فاري مند المصطفى بكاء شديداً، فقال: ما هكذا أتمنى لرئيسنا هذا، والذي أتمناه أن تجعلنا وراءه إلى صاحب موش أو إلى صاحب بص-أخذ يعدد السلاطين-فتنظر كيف نعمل لهم معه. وفاري مند المكور شقيق أسكيا الحاج. ولو لا ذلك ما يقدر على ذلك العمل. ثم أمر بإتيان حصانه الذي هو عليه. فلما رآه وقلّله قال: ما جرّأ أخي هادي على الفتنة إلا هذا الحصان. أمر بإدخاله في إصطبله، و خصه الله تعالى بمعرفة الخيل.

    وضرب كثير من أتباعه، وأما خاله الذي هو رأس الفتنة فمات تحت ذلك الضرب، ونهبوا جميع ما معهم. وأمر بإذهابه إلى كنت برسم السجن، وولى كلشع محمد قاي بن دنكلك مقام هيكي بكر شيلي أجي، فكان هيكي. فأمره أن يولي في مقامه الذي نزل منه من أحب، فولى ابنه بكر، فكان كلشع. وولى أخاه حامد مقام بلعم محمد وعو بعد موته، فكان بلمع.

    ثم أرسل السلطان مولاي أحمد الشريف الهاشمي رسوله إلى أسكيا الحاج بهدايا عجيبات له وقصده في ذلك الإطلاع على حال بلاد التكرور، لأنه عزم على بعث رسوله إلى كاغ. فتلقا أسكيا بالإكرام وأرسل له عند رجوع مرسوله أضعاف ما أرسل هو من الهادايا من خدام وسنانير الغالية وغير ذلك. ومن جملة ما أرسل ثمانون خصياً.

    وبعد ذلك ورد الأخبار أنه بعث جيشاُ فيها عشرون ألفاً رجالاً إلى جهة ودان وأمرهم بأخذ ما هنالك من البلدان على شاطي البحر وغيرها حتى يصلوا إلى بلاد تنبكت. فتخوف الناس من ذلك غاية الحوف. ثم شتت الله ذلك الجيش بالجوع والعطش فتفرقوا شذر مذر، ورجع من بقي منهم إليه، وما قضوا شيئاً من مراده بقدرة البارئ تعالى.

    ثم أرسل قائداً ومعه مائتان رامياً إلى تغاز وأمرهم بأخذ أهله. فسمعوا به قبل وصولهم فخرجوا منه هاربين، منهم من مشى إلى الحمدية، ومنهم من مشى إلى توات وغيرها. وما وصل القائد والرماة إليثه إلا خالياً ليس فيه إلا نفر يسير. فذهب أعيانهم إلى أسكيا وذكروا له ذلك، فاتفق معهم على أن ينمعوا رفود الملح منه.

    وفي سنة أربعة وتسعين وتسعمائة في شوال جاء الخبر بأن لا يذهب أحد إلى تغاز، فمن مشى إليه فماله هدر. ثم أن أظلي ما صاب الصبر عن الملح فتفرقوا فمشى بعض إلى تنورد وحفروا الملح فيها بهذا التاريخ، وآخرون إلى غيرها. وتركوا التغاز هذه المدة. فرجع القائد والرماة إلى مراكش.

    وفي هذا التاريخ أيضاً أخذ عمه سليمن كنكاك بنك فرم فولاها محمود بن أسكيا إسماعيل. وفي شهر ذي الحجة مكملة هذه السنة خالف عليه إخوانه وذهبوا إلى كرى عند محمد بان ابن أسكيا داوود. فجاءوا به معهم وأقلعوا أسكيا الحاج وولوه أسكيا في الرابع من المحرم فاتح سنة خمس وتسعين وتسعمائة. ومكث أسكيا الحاج فيها أربع سنين وخمسة أشهر وبعد ذلك بأيام يسيرة توفي.

    الباب التاسع عشر

    ذكر أسكيا محمد بان ابن أسكيا داوود

    فلما تولى أسكيا محمد بان جعل أخاه صالح كرمن فاري ومحمد الصادق بلمع وعزل حامد منها. وبادر بقتل أخويه فرن محمد بنكن وفرن الهادي في كنت، وقبرا فيه متجاورين.

    فلما سمع الهادي بولايته تعجب وقال: قبح الله العجلة، أحمق من خرج من صلب والدنا يتولى السلطنة، وأما الحاج فما قتل أحداً من إخوانه حتى انقرضت أيامه.

    ثم إن إخوانه حقروا شأنه ولم يكن أخلاقه مرضية عندهم ولا عند غيرهم، وأيامه بؤس ومجاعة. فاتفقوا على عزله وتولية بنتل فرم نوح السلطنة، فوافقهم عليه وتواعدوا في ليلة معلومة في موضع مخصوصة أن يأمر بنفخ بوقه هنالك، ويجتمعوا عليه فيه ويولوه السلطنة. ثم انكشف السر له ولا علم عند نوح به. فقبض هيكي محمد قاي والد كلشع بكر وشاع فرم المختار وغيرهما من الكبراء الذين اتفقوا على ذلك الرأي وعزلهم. فأتى نوح الميعاد وأمر بنفخ البوق فلم ير أحداً، فهرب. وألحقهم الرجال فقبضوه مع أخيه فار منذ المصطفى وسجنوه في أرض دند بأمره.

    وعزل كلشع بكر فرجع لتندرم، وجعل خلفه واحداً من حراطين تندرم فكان كلشع. ثم مات كرسل ماسن منذ، فولى كلشع بكر مقامه فكان ماسن منذ، وجعل له سركيا هيكي، وعلي جاوند شاع فرم، وأخاه إسحق بن داوود فار منذ.

    ثم قتل بلمع محمد الصادق بن أسكيا داوود كبر فرم علوا الظالم الفاجر عشية الأحد السابع من الربيع سنة ست وتسعين وتسعمائة، وكان ذلك في كبر. فأراح الله تعالى المسلمين من شره. فأكل جميع ما احتوت عليه داره من الأموال. وخالف على أسكيا محمد بان، فأرسل لأخيه كرمن فاري صالح أن يأتي ليكون أسكيا، لأنه أولى به من جهة الكبر. فأتى في جيشه. فلما قارب كبر قال له أصحاب الرأي: انزل هاهنا لأن بلمع صادق غدار أهل مكر وخديعة، وابعث له أن يرسل لك جميع ما رفع في دار كبر فرم، لأنك أولى به حيث تلفظ لك بالسلطنة، فإن كان على الحق يرسله وإلا لا يرسله.

    فارسل إليه وأبى، فظهر له أنه غير صادق. فصار إلى الفتنة بينهما، فاقتتلا وقتله بلمع محمد الصادق عشية الأربعاء الرابع والعشرين من ربيع الثاني في العام المذكور. وبين قتله وقتل كبر فرم سبعة عشر يوماً. فاجتمع الجيشان على بلمع، فعزم على التوجه إلى كاغ لعزل أسكيا محمد بان. وبعث لبنك فرم محمود بن إسماعيل أن يأتي إليه ويكون معه. فخاف وهرب من بنك إلى كاغ.

    ومحمد كي أجي بن يعقوب هو الذي رمى فرن صالح بالحريش عند الملاقات أولاً فتمكن فيه. ثم طعنه بلمع بالحربة ثانياً فمات من ساعته، وبعد الغروب أمر بتجهيزه ودفنه.

    وأدرك الحال أن مارنف الحاج بن ياسي بن الأمير أسكيا الحاج محمد جاء إلى تنبكت يطلب الحرمة عند خدام أسكيا الذين كانوا فيه لما عزم على الدخول بابنة أسكيا محمد بان. فجاء عند بلمع محمد الصادق في كبر ليسلم عليه قبل الواقعة التي جرت على يديه من قتل كبر فرم وقتل كرمن فري. فقال له بلمع: قد رأيت الحال كنا فيه، وأريد أن تكون معنا. فقال: يا بلمع والله لا أتبع أحداً ما دام أصبع واحد تحرك في أسكيا محمد بان. وجعل بلمع يلاطفه بالكلام الطيب إلى أن قال له: إن أردت أن أزوجك ابنتي تزيدها على ابنة محمد بان؟ فقال له: يا سالك والله لا أتبع أحداً ما دام أصبع واحد يتحرك في أسكيا محمد بان. فناداه باسمه دون اللقب ليقطع رجاءه فيه فقبضه وسجنه إلى أن تحققت الفتنة ووجبت. فقال له كي أجي وهوم من أقرب الناس إليه وأنصحهم له: اطلق مارنف وخذ بخاطره بأفعال الخير، لأن من كان في الفتنة يحتاج إلى مثله. فأطلقه وعامله بالخير، وأعطاه واحداً من حصان سرجه، وأمر بإخراج القيد من رجله. فركب الحصان وما زال خلخال واحد في رجله من زوج خلخال القيد، فهرب ساعتئذ، وتوجه إلى كاغ وقص القصة على أسكيا.

    ثم توجه بلمع إلى كاغ في جيش عظيم من أهل المغرب، فيهم باغن فاري بكر وهنبركي منس وبركي أمر وكلشع بكر وغيرهم. فارتحل من كبر يوم الثلثاء أول يوم من جمادي الأولى ومشى على عزمه. فلما سمع ذلك محمد بان تشوش من أمره فخرج بجيشه من كاغ للقائه يوم السبت الثاني عشر من الشهر المذكور، فمات في منزله يومئذ عند القائلة. قيل من الغيظ لأنه وجدت شفته السفلى بجروحات بعض الأسنان. وقد سمعه الناس يقول لما بلغه الخبر أن بلمع يأتيه ليعزله: قبح الله سلطنته لأنه موضع الذلة والهوان، ولو لا ذلك كيف يجترأ سالك علي ويقول في حقي هذه المقالة. وقيل مات من سمن لأنه سمين جداً، وخرج في يوم شديد الحر لابساً درعاً من حديد. وعلى كل حال مات بالغيظ.

    فولت الجيش إلى كاغ وميّز هك كري كي عنهم إلى حدة في أربعاء آلاف فارساً من خصي.

    الباب العشرون

    ذكر أسكيا إسحاق ابن أسكيا داوود

    وفي غده يوم الأحد الثالث عشر من جمادي الأولى سنة ست وتسعين وتسعمائة تولى السلطنة أسكيا إسحق ابن أسكيا داوود، وهو أول أولاده بعد دخوله السلطنة. وأما محمد بان فلم يمكث في السلطنة إلا سنة واحدة وأربعة أشهر وثمانية أيام.

    وفي يوم السبت التاسع عشر من الشهر جاء مرسول أسكيا إسحق إلى تنبكت بخبر ولايته، وأشكل أمره على أهل تنبكت لأن بلمع في الطريق. ولما صح عنده أن إسحق تولى السلطنة جمع الجيش الذين معه في موضع فبايعوه وولوه أسكيا، وأرسل مرسوله لأهل تنبكت وأمرهم بأخذ مرسول إسحق، وبلغ يوم الاثنين إحدى وعشرين من الشهر. فأخذوا مرسول إسحق كما أمر به وسجنوه. وفرح بذلك كثير من الناس، منهم تنبكت كي أبكر ومغشرن كي تبرت أكسيد والكيد ابن حمزة السناوي. وأعملوا اللعب أطلعوا الطبل فوق سطح الديار وضربوه فرحاً بولاية محمد الصادق، لأن أهل تنبكت يحبونه كثيراً، فقد غر نفسه وغرهم.

    ثم انقطع الخبر بين تنبكت وكاغ. وروي عن الفقيه أبي بكر لنبار الكاتب وزير القلم أنه قال أن كاغ بعد تمام الأسبوع من ولاية أسكيا إسحق صار كأن صاحب روح لم يكن فيه من أجل خوف بلمع محمد الصادق ورهبته، وأنه لما رأى ذلك وعلم أنه وقاح وأن أول من يبدأ بتوقحه الطلبة والفقهاء لما يزعم أنه عالم. فمشى إلى أسكيا وقت القائلة فدخل عليه وقال له: ما أتا بك في هذه الساعة؟ قلت له: بارك الله فيك وزين أيامك، منذ دخلت في هذه الدار العالية ما سمعنا المالك الثاني لأهل سغي. قال لي أسكي ألفع: هذا الذي ما عرفت ولا سمعت به قبل، وهل لأهل سغي مالك ثان؟ قلت له: بارك الله في عمرك كائن، وهو الذي بوطّئ لك رقاب الناس خارجاً، وأنت في داخل قاعد. فأخذت أعدده له من عهد جده إلى زمن أسكيا محمد بان. فقال لي: هذا تعني. قلت له: نعم، بارك الله في عمرك. قال: الذي يكون أهلاً لهذا ما عرفته في هؤلاء القوم. قلت له: لا تقل ذلك، ما زالت البركة في وجه الأرض: ابناك عمركت بن محمد بنكن ومحمد ابن أسكيا الحاج، فيهما جميع البركة، ابعث لهما في المجيء في هذه الساعة وعاملهما بالخير حتى يغرقا فيه.

    فبعث لعمركت أولاً، ويسكّن معه في داره مربيه وصيف والده زبي وهو أشد منه بأساً وشجاعة، فخاف من تلك النداء في تلك الساعة خوفاً شديداً. فمشى فزعاً مرعوباً، وبقي زبي في الدار مرعوباً. فلما امتثل بين يدي أسكيا قال له: ولدي عمر من يوم رفعتم التراب هنا ما رأيتك بعد إلا في هذه الساعة، أما علمتم أن هذه الدار داركم وما دخلتُ فيها إلا لأجلكم، لا ينقطع رجلك عني. فأعطاه من كل جنس خيراً كثيراً من اللباس الفاخرات والزرع والودعة وغيرها، أعطاه حصاناً من خيل سرجه.

    فرفع التراب وخرج مسرعاً لداره، وأدرك زبي في الغم والكرب الذي لا يعلمه إلا الله. فلما دخل عليه قال له: ما هنالك؟ قال: مت. قال له: فدا لك نفسي، أموت دونك، عجل لي بالخير. قال له: اصبر حتى تنظر. فدخل مراسيل أسكيا بجميع العطايا. فقال زبي: أمن هذا؟ إذا كنت لا تموت منها ففي أي شيء تموت؟ والحر لا يموت إلا في الخير، لا تزال تموت بمثلها، وأنا سابق قبلك فيها.

    ثم دعا محمد ولد أسكيا الحاج وفعل له مثل ذلك الفعل.

    وفي الغد تحزم عزركت وركب حصانه وجاء إلى دار أسكيا، وهو في ناديته وجماعته متوافرة فيها. تحرك حصانه فأقبل وأدبر حتى أتم العادة. ثم تكلم بعد ما دعي وقال لوند قال: قل لأسكيا هؤلاء الجماعة أهل سغي يقولون ما لا يفعلون، وهم الذين يمسكون الماء والنار في أفواههم، وكل من تكلم لك هنا أول مرة ما تكلم بصدق، وهاهو سالك أت غداً، وإذا تلقينا معه هذه الحربة التي أجعلها في كذا أمه، فكل من كان على صدق فليقل مثل هذه المقالة. فتفرقت الجماعة وتحزموا، وتكلم الجميع بمثلها.

    وفي يوم الجمعة الثامن عشر من جمادي الأولى نزل بلمع محمد الصاق بجيشه في كنب كري وبُنيت قباءه فدخل فيها. وأول من أتاهم هنالك مازنف الحاج المذكور، فلما رأى قباءه حرك حصانه وأجراه حتى دنا إليهم، فصاح وقال: أين سالك؟ فرمى القباء بالحريش حتى كادت أن تطيح وهو في داخله. فكر راجعاً. ثم جاءت كتيبة التوارق. ثم انثال خيل أسكيا إليهم كجراد منتشر.

    فقام بلمع وأصحابه وأقاموا عصيهم وتهيئوا للقتال، فحرك وأجراه قاصداً جهة أسكيا إسحق. فتلقاه عمركت ومحمد ولد أسكيا الحاج، فرماه عمركت على رأسه بالحريش، فطار الحريش إلى السماء لأجل المغفر الذي في رأسه. فقال: ولدي عمركت أنت الذي رميتني بالحديد؟ فقال له: تنكر، وهو كلمة يعظم بها بلمع وكرمن فاري، ما كان منا أحد إذا جعله أسكيا في مرتبتك هذه الآن أن يصلحها. فانكسر قلبه فرجع إلى مقامه. ثم لم يزل يقاتل وأصحابه مع جيش أسكيا طول ذلك اليوم حتى انهزم. فولى هارباً إلى تنبكت. فرجع أسكيا إلى داره. ثم اتبعه الرجال، وأمرهم بقضبه أينما سلك.

    وأما أهل تنبكت فلم يكن عندهم خبر بما جرى بينهم، إذا جاءهم بلمع سالك بنفسه يوم الأربعاء الثامن والعشرين من جمادي الأولى المذكور وأخبرهم بانهزام جيشه. وأخبر أنه بينما هو يوم الجمعة في كنب كري إذ سطع عليهم غبار عظيم من جيش عظيم لأسكيا إسحق، فالتقوا واقتتلوا من الضحى إلى وقت الغروب، فمات بينهم خلق كثير فحينئذ ولّيت مدبراً مع هنبركي وبركي وباغن فاري بكر، وكلهم مجروحون سوى باغن فاري وحده.

    ثم جاء سالك إلى تندرم فقطع البحر إلى جهة كرم، ومعه هنبركي منس وابن فرم دك. فلحقهم الرجال الذين في إثره، فقبضوهم فجاءوا بهم إلى كنت، وقتلوا سالك وابن فرم دك فيها بأمره، ودفنوهما في مجاروة بنكن وهادي والقبور الأربعة هنالك معروفة. وأما هنبركي فجاءوا به إلى عند أسكيا، فجعله في سنكور، وخيّط عليه جلد بقر وجعله في حفرة في إصطلبه طولها قامتان فردمت بالتراب حياً فمات منها، والعياذ بالله من غلبة الرجال.

    وأرسل مراسيله إلى تنبكت في قبض مغشرن كي تبرت وتنبكت كي أبكر وأمرهم أن يقوموا هنالك. أما الكيد بن حمزة فقد عفى عنه لأنه تاجر مسكين فضولي لا عبرة به ولا مبالاة. فقال ولي الله تعالى السيد عبد الرحمن بن الفقيه محمود: لو كمل عفوه فيهما لا عبرة ولو بهما عند قدره.

    فلما رجع المراسيل بهما إلى قتلهما، فأخذ يبحث عن أتباع سالك في الفتنة. فقتل كيراً منهم وسجن كثيراً وضرب كثيراً بالسير المفتول والثقيل.

    وأما محمد كي أجي ولد يعقوب فمات تحت الضرب. وأما يعقوب ولد أربند فجيء به بين يديه، فجعل يتكلم بصوت خفي، فقال له وند: ارفع صوتك يا بن مولاي، أهكذا تتكلم بين يدي سالك؟ فرفع صوته حتى جاوز الحد، يريد له البلاء بذلك. ثم ضرب حتى كاد أن يموت، ولم يكن أجله فيها. وسجن ازو فرم بكر بن يعقوب في كبر، فسرحه الباشا محمود بن زرقون. وسجن بركي وكل شاع بكر في موضع واحد، فتسرحا في فتنة الباشا جودار ورجعا لبلادهما وفي سلطنتهما بلا أمر أحد. ثم أتي ببكر بن الفق ذنك، فلما امتثل بين يديه قال له: يا هذا الكيشا الذي ما صاب مقاماً طول عمره الذي يستر شيبه فيه بعمامة! ثم قال: هاتوا كرزي. فجيء به، فقال له: خذه واستر به هذا الشيب السيء. جعل ذلك له إهانة وتصغيراً، وهو ملسن عارف بالشتم والتعييب جداً، فبقي كيشا فقباله.

    ثم جيء بكركا منذ سرك ولد كلشع إليه، فقال له: يا شيخاً جوالاً في الفتن ما تخرج في يدي حتى تعدّ لي جميع الفتنة التي دخلت فيها واحداً بعد واحد. فقال ما افتضحت في إحداهن مثل افتضاحي في هذه. فضحك وقال: اذهب معافاً لوجه الله تعالى.

    ثم جيء بسعيد مار، وهو ضعيف نحيف جداً متكلم ملسن يأكل أعراض الناس. فلما امتثل بين يديه قال: انظره، إذا أجلس على طرف القضيب يجلس، وإذا غرز لسانه في الحجر يثقبه. أين كنك فرم؟ فجاء وقال: اذهب به وبرّح عليه من أول البلد إلى مؤخره: إن وجده جالساً في وراء دار بت أو لقيه سائراً في البلد نصف الليل أو آخرها فليرمه بالحديد، ودمه هدر، ومن تركه ولم يقتله فقد ترك عدو الله ورسوله صلى الله عليه وسلم وترك عدوي. فطاف به البلد كما أمر حتى حاذا به الجامع الكبير، جبذ نفسه من الربوط الذي في قربيس البراح، فدخل الجامع لطلب الشفاعة. فبلغ الخبر الإمام فمشى إلى عند أسكيا للاستشفاع. فأمر بمجيئه وقال الإمام: أذهب فقد عفوت عنه. وقال للإمام: لا تذهب، وبقيت شفاعة واحدة أريد في حرمتك وفي حرمة الجامع: كما برح علي بهدر الدم، أن يبرح بالعفو فيسمعه الناس جميعاً لئلا يقتلوني باطلاً، وأعدائي كثير في كاغ. فضحك أسكيا وبالغ في الضحك وأمر له بذلك.

    فأخذ مرة في هذا البحث حتى أتم مراده في أولئك الجماعة. ثم ولى محمود بن إسماعيل كرمن وجعله كرمن فاري، وجعل أخاه محمد كاغ بلمع، ومحمد هيك بن فرن عبد الله بن الأمير أسكيا الحاج محمد بنك فرم. قد أعطاه الله تعالى وأخاه تنطي برم تلت من الجمال الفائق التي لم ير الراؤون مثلها في أهل سغي أجمع، حتى إذا جاءوا لتنبكت يتبعهم الناس لرؤية تلك الجمال.

    وجعل ينب ولد سابي ول فاري منذ، والحسن تنبكت كي، وأكمظل أخ تدكمرت مغشرن كي، فهو والحسن آخر السلاطين في قومهما في دولة أهل سغي. أما الحسن فدخل في طاعة العرب، وأما أكمظل فلم يدخل فيها حتى توفي.

    ثم قتل أخاه ياسي بر بير بن أسكيا داوود ظلماً وعوناً، فسعى به عنده خاصته ياي فرم بان أجي وذكر أنه يطلب السلطنة، وهو من خيار أولاد داوود وأحسنهم خلقاً وأعظمهم عفة ولم بعمل فاحشة قط، وهذا معدوم فيهم بالكلية.

    وأما باغن فاري بكر فرجع إلى تندرم ودخل في حرمة الفقيه القاضي محمود كعت أن يشفعه عند أسكيا إسحق، فأنكر عليه ذلك ولده ماربا فتحولت عزمته وخرجوا عامدين كَل، فسكنوا في بلد يقال لها مدينة إلى مجيء محلة الباشا جودار.

    ثم توفي دند فاري بكر شبلي أجي في زمنه، وجعل خلفه دند فاري المختار. وتوفي كلشع الذي ولاه أسكيا محمد بان. فجاء كنتي منذ الحسن إلى سغي يطلب الولاية، فبقي فيها إلى أن جاء الباشا جودار وانقلبت الدولة.

    وفي سنة السابعة والتسعين بعد تسعمائة غزا إلى نمتنك كفار كرم، فمات منها بنك فرم محمد هيك. فلما رجع إلى كاغ جعل خلفه عثمان در فرن ابن بكر كرن كرن بن الأمير أسكيا الحاج محمد، وهو كبير السن يومئذ جداً. فقال لأسكيا: لو لا أن كرامتك لا ترد لا أقبلها لأجل كبر سني، لأني في أربعين فارساً الذين اختارهم أسكيا إسحق بير في كوكيا لإيصال ابنه عبد الملك لدار الخطيب في كاغ لما أيس من الحياة في مرض موته. نعم فقد صدق لأن أسكيا إسحق هذا ما زال ما خلف بعد.

    ثم غزا في السنة الثامنة والتسعين والتسعمائة إلى تنفن كفار كرم أيضاً. وفي أوائل ذي الحجة المكملة السنة المذكورة توفيت جدتي أم والدي فاطمة بنت سيد علي ابن عبد الرحمن الأنصرية، ودفنت في مجاورة بعلها جدي عزران رحمهم الله تعالى آمين. وفي سنة التاسعة والتسعين والتسعمائة عزم على الغزو إلى كل، وهو في شغل من أمرها إذ ورد خبر بمحلة الباشا جودار. فشغل عنها ونسيها ونبذها وراء ظهره.

    ومن حين تولى أسكيا إسحق إلى يوم انهزم جيشه في ملاقات الباشا جودار ثلاث سنين وأربعة وثلاثون يوماً. ومن الانهزام إلى مقاتلته مع الباشا محمود بن زرقون في زرزن ستة أشهر وسبعة أيام. وسيأتي تواريخ ذلك إن شاء الله.

    وفي أوائل العام المكمل لألف عزله محمد كاغ وتولى السلطنة على أهل سغي، ولم يمكث فيها إلا أربعية يوماً فقط. فقبضه الباشا محمود وأعزل. ولكن ما عرف كم تأخر إسحق بعد وقعة زرزن إلى يوم عزله محمد كاغ.

    تتمة: أما الأمير أسكيا الحاج محمد بن أبي بكر فأولاده كثير ذكوراً وأناثاً وفيهم من يتسمون على اسم واحد:

    منهم أسكيا موسى، وموسى ينبل، وكرى فرم موسى.

    وله عثمان ثلاثة: كرمن فاري عثمان يوباب، ومور عثمان سيد، وعثمان كنكر.

    وله محمد ثلاثة: مور محمد كنب، ومحمد كدر، ومحمد كري.

    وسليمن ثلاثة: سليمن كتنك، وبنك فرم سليمن كنكاك-وهو آخر أولاده في مسجنه الجزيرة المسماة كنكاك، وسليمن كند كري.

    وله عمر ثلاثة: عمر كوكيا، وعمر توت، وعمر بوبع.

    وله بكر ثلاثة: بكر كور، وبكر سين فل، وبكر كرن كرن.

    وعلي ثلاثة: علي واي وعلي كسر، وبنك فرم علي بند كيني، وآخرون.

    ومن أولاده أيضاً هار فرم عبد الله، وفرن عبد الله شقيق إسحق بير، وأسكيا إسماعيل، وأسكيا إسحق، وأسكيا داوود، وكرمن فاري يعقوب، والطاهر، ومحمود دنكر، ومحمود دند، وبنك فرم حبيب الله، وبلمع خالد، وياسي، وإبراهيم، وفامع، ويوسف كي، وآخرون.

    ومن بناته ويز بان، وويز أم هاني، وويز عائشة كر، وويز حفصة، وعائشة بنكن أم بلمع محمد كرب، وعائشة كر أم بلمع محمد، وعو، وبنش، وحاوداكي أم هنبركي منس، وحاو أدم بنت تنبار، ومك مور، ومك ماسن، وفراس أم درمكي ماننكي، وكبر شقيقة أسكيا إسماعيل، وسف كر، وددل ويانا هسر، وفت هند أم عبد الرحمن، فت أجي، وفت وين، وكرتوجل والدة سيد كر.

    أما أبوه فاسمه أبو بكر ويقال له بار. قيل أنه طورنك، وقيل أنه سلنكي، وأمه كسي. إخوانه كرمن فاري عمر كمزاغ، وكرمن فاري يحيى. وأما أخوه عمر فله من الأولاد أسكيا محمد بنكن، وكرمن فاري عثمان تنفرن، وبنك فرم علي زليل، ومحمد بنكن كوم، والفق دنك، وأسكيا موسى.

    أمه زار كبر نكي، وهي جارية كبركي أولاً فولدت له ابناً فكان سلطاناً. ثم أصابها الأمير أسكيا محمد الحاج في السبي قبل أن يكون سلطاناً، فولدت له أسكيا موسى. ثم أخذها منه بس كي في المعركة بينهما، فولدت له ابناً فكان سلطاناً في بص.

    وأسكيا إسماعيل أمه مريم داب ونكرية. وأسكيا إسحق بير، كلثوم درموية. وأسكيا داوود أمه سان فاري ابنة فاركي. وأسكيا محمد بنكن أمه آمنة كرى. وأسكيا الحاج ابن داوود أمه آمنة واي بردا. وأسكيا محمد بان أمه أمس كار. وأسكيا إسحق زغراني أمه فاطمة بس الزغرانية. والهادي أمه زابير بندا، وكرمن فاري عثمان يوباب أمه كمس ميمنكي. وعثمان تنفرن أمه تات زعنكي. وكرمن فاري حماد أمه أريو أخت أسكيا الحاج محمد الأمير، وأبوه بلمع محمد كري، وأخوه ماسوس والد محمد بنش أجي.

    وأما كرمن فاري الأول فعمر كمزاغ، ثم يحيى، ثم عثمان يوباب، ثم محمد بنكن كريا، ثم أخوه عثمان تنفرن، ثم حماد أريو بن بلمع محمد كري، ثم علي كسر، ثم داوود، ثم كشيا، ثم يعقوب، ثم مركن، ثم الهادي، ثم صالح، ثم محمد بن إسماعيل.

    وبلمع الأول محمد كري قتله أسكيا موسى حين ذهب إلى منصور، ثم محمد ندمي ابن الأمير أسكيا الحاج محمد، ثم حماد ولد أريو، ثم علي كسر، ثم كشيا، ثم خالد، ثم محمد ولد دل، ثم محمد وعو ولد دعنكاكي، ثم حامد ابن أسكيا داوود عزله أسكيا محمد بان ونفاه إلى جني حتى مات هنالك، ثم محمد الصادق، ثم عمر كمزاغ.

    وبنك فرم الأول علي يمر، ثم بل، ثم باركر والد آمنة فاي أم أسكيا الحاج وليس أهلاً لهذه المرتبة، ثم علي كند نكني ابن الأمير أسكيا الحاج محمد أمه مولدة أجر أهل كيس-وليس بناجم عزله أسكيا إسحق وسكن في موالي أمه، ثم بكر بير بن مور ابن محمد بن أسكيا الحاج فأخذه فيها كثيراً، ثم علي مليل العدل، ثم سليمن كنكاك عزله أسكيا الحاج ونفاه إلى جني حتى مات فيه، ثم محمود بن أسماعيل، ثم محمد هيك، ثم عثمان درفن.

    أما أسكيا داوود فله من الأولاد كثير ذكور وأناث، ومن الذكور ستة كلهم اسمه محمد: محمد بنكن، والحاج محمد، ومحمد بان، ومحمد الصادق، ومحمد كاغ، ومحمد سرك أجي. وهارون اثنان: هارون دنكتيا، وهارون فات تراجي. ثم حامد، ثم الهادي، ثم صالح، ثم نوح، ثم المصطفى، ثم علي تند، ثم محمود فراراجي، ثم إبراهيم فصار إلى مراكش، ثم دك ثم إلياس كوم، ثم سحنون، ثم إسحق، ثم إدريس، ثم مارنف أنسا، ثم الأمين، ثم ياسي بربير، ثم سن، ثم سليمن زو، ثم ذو الكفل، وآخرون.

    ومن الأناث بت زوجة مغشرن كي محمود بير الحاج بن محمد الليم، وكاسا زوجة جنكي وينبعلي فصارت إلى مراكش وفت زوجة ساتنك، وويز حفصة، وويز أكيبنو، وحفصة كيمر. وقد زوج منهم العلماء والفقهاء والتجار وكبراء الأجناد كثيرات.

    وأما ابنه كرمن فاري محمد بنكن فله من الأولاد فيما نعلم أربعة ذكور: عمر بير، وعمر كت، وبنب كير أجي، وسعيد فصار إلى مراكش وجُعل أسكيا هنالك وهو فيها إلى الآن.

    وأما ابنه أسكيا الحاج محمد فله من الأولاد، فما نعلم ثلاثة أثنان ذكور محمد وهارون الرشيد، فكان أسكيا في دولة العرب. الثالثة أنثى اسمها فت تور فصارت إلى مراكش فمات فيها كما مات الباقون.

    الباب الحادي والعشرون

    ذكر مجيء الباشا جودر إلى بلاد السودان

    وهو فتى قصير أزرق. وذلك أن ولد كرنفل، وهو رجل من خدام أمراء سغي، غضب عليه الأمير أسكيا إسحق بن داوود بن الأمير أسكيا الحاج محمد، فبعثه إلى تغز برسم السجن هنالك، وهو من بلادهم الذي في ملكهم وحكمهم.

    فكان من قدر الله وقضائه انطلاقه من ذلك السجن، وهرب إلى مدينة حمراء مراكش عند أميرها الشريف مولاي أحمد الذهبي. ولم يدركه فيها، قد غاب إلى مدينة فاس لتعذيب الشرفاء الذين كانوا فيها، فأعمى أبصارهم، ومات من ذلك كثير منهم: إنا لله وإنا إليه راجعون. جعل ذلك نفاسة على الدنيا، والعياذ بالله.

    فكتب ولد كرنفل كتاباً وبعثه له فأخبره بمجيئه وبأخبار أهل سغي وبما كانوا عليه من الأحوال الذمية والطبائع الرذيلة مع ضعف القوة، وحضه على أخذ الأرض من أيديهم.

    فكتب الكتاب إلى الأمير أسكيا إسحق بعد ما بلغه كتاب ولد كرنفل وأخبره فيه بمجيئه إليهم وأنه غائب يومئذ إلى مدينة فاس وأنه يرى إن شاء الله كتابه في طي كتابه، ومن جملة ما خاطبه فيه مولاي أحمد أن يسلم له في خراج معدن تغاز وأنه أولى به منه لأنه الحاجز والمانع لهم من الكفرة النصرانيين إلى غير ذلك. فبعث الكتاب مع مرسوله له إلى مدينة كاغ، وهو ما زال في فاس بتاريخ شهر الصفر سنة ثمانية وتسعين وتسعمائة من الهجرة النبوية على صاحبها أفضل الصلاة والسلام، ووقفت على ذلك الكتاب بعينه. ثم إنه رجع منه إلى مراكش، فنزل عليه الثلج في الطريق كاد أن يموت منه، وقطع أيدي كثير من قومه وأرجلهم، وما وصلوا بلدهم إلا في بئس الحال، نسأل الله تعالى العافية من بلائه.

    فلم يساعفه الأمير أسكيا إسحق بما طلب من التسليم في ذلك المعدن، بل قبح له الكلام في الجواب وبعث له صحبة جوابه حرشاناً ونعلين من حديد. فلما وصله ذلك عزم على صرف الحملة إليه بالغزو. وفي القابل في شهر المحمر الحرام فاتح عال التاسع والتسعين بعد تسعمائة بعث المحلة الكبير إلى سغي لقتالهم، فيها ثلاثة آلاف رامياً من بين أصحاب الخيل ورجل، ومعهم من الأتباع ضعفها، كل صنف وأجناس من الصناع والأطباء وغيرهما.

    جعل عليها الباشا جودار ومعه نحو عشرة من القياد: القائد المصطفى التركي، والقائد المصطفى ابن عسكر، والقائد أحمد الحروسي الأندلسي، والقائد أحمد ابن الحداد العمري قائد المخازينة، والقائد أحمد بن عطية، والقائد عمار الفتى العلجي، والقائد أحمد ابن يوسف العلجي، والقائد علي بن المصطفى العلجي وهو أول قائد جُعل على بلد كاغ ومات مع الباشا محمود بن زرقون حين قتل في الحجر، ثم القائد بوشيبة العمري، والقائد بوغيت العمري. والكاهيان الكاهية باحسن فرير العلجي على اليمين، والكاهية قاسم وردوي الأندلسي على الشمال. هؤلاء الذين جاءوا مع جودار من القياد والكواهي.

    فأخبرهم بخروج ذلك الأرض من مملكة السودان وبمقدار ما يملكه جيشه ذلك فيه على حسب ما يقف عليه في الخيور. فتوجهوا إلى أهل سغي.

    فلما بلغهم خبر هذه المحلة جمع الأمير أسكيا إسحق قياده وكبراء مملكته في الرأي والتدبير. فكلما أشاروا إليه من الرأي السديد يرمونه وراء ظهرهم، لما سبق في سابق علم الله تعالى الذي لا رادّ لقضائه ولا معقب لحكمه من زوال ملكهم وانقراض دولتهم.

    ووجد الحال أن حم ابن عبد الحق الدرعي كان في كاغ حينئذ، جاء لرسم السفر. فأمر الشيخ أحمد تويرق الزبيري الأمير إسحق بقضبه وسجنه، وهو عامل على تغز لأهل سغي، وزعم أنه ما جاء لكاغ إلا لأجل التجسس للأمير أحمد الذهبي. فسجنه الأمير إسحق ورافع وأحمد نين بير والحروشي والد أحمد الأمجد،

    حتى وصلوا البحر عند قرية كربر فنزلوا هنالك وعمل الباشا جودار سفرة كبيرة لإطعام الطعام فرحاً لوصولهم البحر سالمين لأن ذلك أمارة ظفرهم بمرادهم ونجحهم لسعيهم من عند أميرهم، وكان ذلك يوم الأربعاء الرابع من جمادي الأولى في العام التاسع والتسعين بعد الهجرة كما مر.

    وما طرقوا بلد أروان بل جازوا عليها على جهة المشرق ووافقوا بإبل عبد الله ابن شين المحمودي، فأخذ منهم جودار مقدار حاجتهم. فركب وغرب إلى ألأمير مولاي أحمد في مراكش اشتكاء بما ناله منهم من الظلم، وهو أول من أخبره بوصول تلك الحملة البحر. قال أول من سأل عنه الكاهية باحسن. فقال: لعل لاحسن على خيرب. ثم سأل عن القائد أحمد بن الحداد والباشا جودار، وكتب له أن يعطوه قيمة ما أخذوا من إبله.

    ثم نهضوا من ذلك المكان فتوجهوا إلى بلد كاغ فتلقاهم الأمير أسكيا إسحق في موضع يقال له تنكندبع وهو في قرب تندبي في اثني عشر ألفاً وخمسمائة من الخيل وثلاثين ألفاً من أرباب الرجل. ولم يلتئم العسكر لأنه أهل سغي ما صدقوا بخبرهم حتى نزلوا على البرح.

    فاقتتلوا هنالك يوم الثلثاء السابع عشر من الشهر المذكور فكسروا جيش أسكيا طرفة عين. وممن مات من الأعيان من أهل الخيل ساعتئذ فندنك بوب مريام صاحب ماسنة المعزول، وساع فرم علي جاوند، وبنك فرم عثمان درفن بن بكر كرن كرن ابن الأمير أسكيا الحاج محمد بن أبي بكر، وهو كبير السن جداً يومئذ، جعله الأمير أسكيا إسحق بنك فرم لما مات بنك فرم محمد هيك في غزوة نمنتك كما مر.

    ومات كثير من كبراء أهل الرجل يومئذ. لما انكسر العسكر طرحوا جروقهم على الأرض وقعدوا عليهم متربعين حتى وصلهم جيش جودار، وقتلوهم صبراً على تلك الحال، لأن من شأنهم عدم الفرار عند الانكسار. وأخرجوا أسورة الذهب التي في أيديهم.

    فولى الأمير أسكيا إسحاق وعسكره مدبرين منهزمين فبعث لأهل كاغ أن يخرجوا منه فراراً إلى وراء البحر من جهة كرم، وبعث بذلك أيضاُ لأهل تنبكت. فجاز على حاله، وما طرق كاغ، إلى كري كرم، فنزل فيها بتلك العسكر. فكان بكاء ونوحاً فيها، وارتفعت الأصوات بذلك ارتفاعاً عظيماً. وشرعوا في الخروج واقتطاع البحر في القوارب بالمشقة والازدحام، فغرق كثير من الناس في ذلك البحر وماتوا، وضاع من الأموال ما لا يحصيه إلا الله سبحانه.

    وأما أهل تنبكت فلم يمكن لهم الخروج والفرار إلى وراء البحر لأجل المشقة وثقل الحال، ولم يخرج إلا تنبكت منذ يحيى ولد بردم والذين معه فيها من خدام أسكيا، فنزلوا إلى الكف يند موضع بقرب بلد توي. فجاز الباشا جودار بتلك المحملة إلى كاغ، ولم يبق فيها من سكانها إلا الخطيب محمود درامي وهو شيخ كبير يومئذ والطلبة ومن لم يقدر على الخروج والهروب من التجار. وتلقاهم الخطيب محمود المذكور بالترحيب والإكرام وأضافهم ضيافة فاخرة كبيرة، وجرى بينه وبين الباشا جودار كلام وحديث طويل، وبالغ في تعظيمه وإكرامه. ثم إنه رام الدخول في دار الأمير أسكيا إسحاق، فأمر بإحضار الشهود فحضروا له، ودخل معهم فيها. فلما طالعها وعاينها وعلم ما فيها حقرها.

    وبعث له الأمير إسحاق أنه يصالح معه على مائة ألف ذهب وألف خديم يعطيها للأمير مولاي أحمد على يده ويرجع الجيش إلى مراكش ويسلم له في أرضه. فبعث له أنه عبد مأمور لا تصرف له إلا بما أمر مولاه السلطان، فكتب له بذلك هو والقائد أحمد بن الحداد مع اتفاق كافة تجار بلده، بعد ما أخبره في كتابه ذلك أن دار شيخ الحمارة في الغرب خير من دار أسكيا التي طالعوها بعثه صحبة على العجمي وهو بشوظ يومئذ.

    فرجع هو إلى تنبكت مع أولئك الجيش لينتظر الجواب، ولم يتأخر في كاغ إلا سبع عشر يوماً والله تعالى أعلم فوصلوا إلى مس بنك يوم الأربعاء آخر يوم من جمادي الثانية. ثم ارتحلوا منها يوم الخميس أول يوم من رجب الفرد. ونزلوا خارج بلد تنبكت من جهة القبلة وتأخروا هنالك خمسة وثلاثين يوماً. فأرسل الفقيع القاضي أبو حفص عزر بن ولي الله تعالى الفقيه القاضي محمود يحم المؤذن ليسلم له عليه، ولم يضيفهم بشيء كما أضافهم الخطيب محمود درامي عند وصولهم مذينة كاغ. فغضب من ذلك غضباً شديداً فنشر له أنواع الفواكه التمر واللوز والسكر كثيراً وألبسه دائرة ملف أحمر سكرلات. فلم يحسن أرباب العقول الظن بذلك، فصار الأمر على ما ظنوا.

    ثم إنهم دخلوا في داخل المدينة يوم الخميس السادس من شعبان المنير. وطافوا في المدينة وطالعوها، ووجدوا أكبرها عمارة حومة الغدامسيين. فاختاروها للقصبة وشرعوا في بنائها، وأخرجوا أناساً في ديارهم في تلك الحومة.

    وأخرج الباشا دودار حم ابن عبد الحق الدرعي من السجن وجعله أميناً بأمر السلطان مولاي أحمد. وأما رافع وأحمد نين بير فمانا قبل وصول جودار لكاغ. وجعل للمرسول بشوظ علي العجمي في المعاد الذهاب والرجوع أربعين يوماً.

    فوجدت هذه الممحلة أرض السودان يومئذ من أعظم أرض الله تعالى نعمة ورفاهية وآمناً وعافية في كل جهة ومكان ببركة ولاية الأسعد المبارك أمير المؤمنين أسكيا الجاد بن أبي بكر بن عدله وشدة حكمه الشامل العام الذي كما يهفذ في دار سلطنته كذلك ينفذ في أطراف ملكته من حد أرض دند إلى حد أرض الحمدية ومن حد أرض بندك إلى تغز وتوات وما في أحوازهم، فتغير الجميع حينئذ، وصارت الأمن خافاً والنعمة عذاباً وحسرة والعافية بلاء وشدة. ودخل الناس يأكل بعضهم بعضاً في جميع الأمكنة طولاً وعرضاُ بالإغارة والحرابة على الأموال والنفوس والرقاب. فعم ذلك الفساد وانتشر وبالغ واشتهر. فأول من بدأ فيها سنب لمد صاحب دنك، فأهلك كثيراً من بلاد رأس الماء، وأكل أموالهم على الإطلاق، وقتل من قتل وكسب من كسب من الأحرار. وكذلك الزغرانيون اتلفوا بلاد بر وبلاد درم كذلك. وأما أرض جني فقد اتلفها كفار بنبر شرقاً وغرباً يميناً وشمالاً اتلافاً قبيحاً شنيعاً، وخربوا جميع البلادات ونهبوا جميع الأموال، واتخذوا الحرائر جواري وتناسلوا معهم، فكانت الذراري مجوسيين والعياذ بالله. وكل ذلك على يد شاع مكي وقاسم ولد بنك فرم علو زليل بن عمر كمزاغ وهو ابن عم باغن فاري، وبهم ولد فندنك بوب مريام الماسني.

    ومن رؤساء أولئك الكفرة يومئذ الذين يسوقهم مع هؤلاء الفاسدين القطاعين بنس سام في أرض فدك وقاي فاب في أرض كوكر، هؤلاء في جهة كل. وأما في جهة شيلي وجهة بندك فسلتي سنب كس الفلاني في قبيلة وررب وسلتي يربر والد حمد سول والفلاني في قبيلة جلوبي الكائنين في ناحية فرمان، ومنس مغ ولي والد كنع كي أحد اثني عشر سلاطين بندك كما كانوا في أرض كل كذلك وبنكون كند إلى غير ذلك.

    وذلك الفساد يجدد ويزداد إلى هلم جرا. ومن حين تولى الأمير أسكيا الحاج محمد ملك أرض سغي، ما قصدهم أحد من أمراء الآفاق بالغزو إليهم من القوة والمتن والنجدة والشجاعة والمهابة التي خصهم الله تعالى بها، بل هم الذين يقصدون الأمراء في بلدانهم فينصره الله عليهم غير ما مر، كما مر في أخبارهم وفصصهم، إلى قرب انقراض دولتهم وزوال مملكتهم، بدّلوا نعم الله كفراً وما تركوا أشياءً من معاصي الله تعالى إلا ارتكبوها جهراً من شرب الخمور ونكحة الذكور. وأما الزنى فهو أكبر عملهم حتى رجع بينهم كأنه غير محظور ولا لهم فخر وزينة إلا بها، وحتى يفعلها بعض أولاد سلاطينهم بإخوانهم.

    وقيل أنه حدث في آخر مدة السلطان العدل أمير المؤمنين أسكيا الحاج محمد، وولده يوسف كي هو الذي أبدعه. فلما سمعه غضب غضباً شديداً، دعى عليه أن لا يصحبه ذكره إلى دار الآخرة. فأجاب الله تعالى دعوته فيه فانقطع منه بعلة والعياذ بالله. ثم إن الدعوة نالت ابنه أربند والد ينكي يعقوب، فانقطع ذكره كذلك في آخر عمره بتلك العلة.

    ولهذاانتقم الله سبحانه منهم بهذه المحملة المنصورة، فرماهم بها من مسافة بعيدة ومكابدة شديدة فاجتثت عروقهم من أصلها، ولحقوا بأصحاب العبرة وأهلها.

    ولنرجع إلى الكلام في تمام ذلك الصلح. فلما بلغ المرسول بشوظ علي العجمي عند السلطان مولاي أحمد، وهو أول من أتاه بخبر أرض السودان، وقرأ ذلك الكتاب غضب غضباً شديداً. عزل جودار ساعتئذ، وبعث محمود بن زرقون باشا بثمانين رامياً، كاتبهم مامي ابن برون، وشاوشهم علي بن عبيد. وأمره بطرد إسحاق من أرض السودان وقتل القائد أحمد بن الحداد العمري، حيث اتفق مع جودار على ذلك الصلح. وكتبه في الكتاب معه إلى الجيش.

    ثم إن الشريفات وعظماء أهل داره رغبوا في القائد أحمد بن الحداد فعفي عن قتله، وطلبوا منه أن يكتبه. فكتبه أيضاً فسبق كتاب العفو إلى عند القائد أحمد بن الحداد، فعمل السفرة وأحضر فيها الكواهي والبشوظات، وأخبرهم بما جرى، فأعطى لكل واحد من الكواهي مائة مثقال مائة مثقال، وأعطى الباشوظات ما أعطاهم. فعاهدوه جميعاً أن لا يصيبه مكروه حيث سبق كتاب العفو. وفي العشية وصل كتاب القتل، فحالوا بينه وبين الباشا محمود بن زرقون، وأنقدوه منه بحكم الطريق العادية.

    ووصل مدينة تنبكت يوم الجمعة السادس والعشرين من شوال عام تسع وتسعين وتسعمائة، ومعه القائد عبد العالي والقائد حم بركة. فعزل جودار ساعتئذ وتحول الجيش معه، وبالغ له في الملامة والانكار عليه حتى قال له: أي شيء منعك من اللحوق إلى إسحاق. فاعتلّ له بعدم القوارب. ولذلك شرع في صنع القوارب. ولما لم يجد السبيل إلى قتل القائد أحمد بن الحداد، عزله وجعل مكانه القائد أحمد ابن عطية، لأجل العداوة التي طرأت بينهما. والقائد أحمد ابن الحداد حبيب الباشا جودار، فعل به الباشا محمود بن زرقون ما فعل مغيظة لجودار.

    ثم إن محموداً عزم على الحركة إلى إسحاق أسكيا، فاشتغل بإصلاح القوارب، لأن صاحب المرسى منذ الفع ولد زرك هرب بجميع القوارب إلى ناحية بنك لما بعث إسحاق أسكيا لأهل تنبكت بالارتحال. فقطعوا جميع الأشجار الكبار الذين كانوا في داخل مدينة تنبكت ونجروا منها الألواح وغصبوا الدفوف الغلاظ الكبار الذين كانوا في أبواب الديار وركبوا منهم قاربين. وأنزلوا الأول في البحر يوم الجمعة الثالث من ذي القعدة الحرام في العام المذكور. ثم أنزلوا الثاني في البحر يوم الجمعة أيضاً سابع عشر من الشهر المذكور.

    فبرز الباشا محمود مع الجيش كلها يوم الاثنين العشرين من الشهر المذكور، ومعه الباشا جودار المعزول وجميع القياد ما خلا القائد المصطفى التركي. فخلفه محمود على تنبكت مع الأمين حم حق الدرعي. ونزل خارج البلد من جهة القبلة، وتأخر هنالك بقية الشهر. ثم ارتحل منها يوم السبت الثاني من ذي الحجة الحرام المكمل للعام التاسع والتسعين وتسعمائة ونزل في مس بنك. ثم ارتحل منها ونزل في سينك، فتأخر فيه حتى صلى عيد الأضحى. ثم صرف للقاضي أبي حفص عمر أن يبعث له من يصلي بهم العيد، فبعث له الإمام سعيد بن الإمام محمد كداد، فصلى بهم هنالك هذا العيد، فرتبه إماماً يصلي في جامع القصبة إلى أن توفي رحمة الله عليه.

    ثم توجه إلى إسحاق أسكيا للمقاتلة. فسمع هو به وهو في برن يومئذ، فنهض للقائه والتقوا في بنب يوم الاثنين الخامس والعشرين من الشهر المذكور، واقتتلوا يومئذ عند نبكة زرزن. فهزمه الباشا محمود أيضاً، فولى مدبراً منهزماً. ومن مات من عسكره يومئذ فار منذ ينب ولد ساي ول، وأمه من بنات الأمراء، وجعل خلفه سن ولد أسكي&#